العلاقة الإسرائيلية الصينية تكشف الكثير عن غطرسة تل أبيب

جوزيف دانا

بدءًا من الولايات المتحدة وحتى اليابان وتايوان والاتحاد الأوروبي وغيرهم، باتت الحكومات تشعر بالقلق من التكنولوجيا الصينية، التي باتت تشق طريقها لتتغلغل داخل القطاعات الحيوية من البنية التحتية لتلك الدول، وفي ذات الوقت، هناك قلق من استحواذ الصين على التكنولوجيا الأجنبية بوسائل لا تتمتع بالشفافية، وهناك لغز يواجه جميع الحكومات تقريبًا حين يتم التعامل مع الصين، وتلك الحكومات تريد الصين من أجل الحصول على البضائع والاستثمارات الصينية بأسعار معقولة، وكذا فإن تلك الحكومات تريد الحصول على التكنولوجيا الصناعية الصينية (مثل الجيل الخامس للاتصالات)، لكن في ذات الوقت فإن على تلك الحكومات أن تتحقق من قيام الصين بالفصل بين مصالحها التجارية ومصالحها الاستراتيجية والأمنية، والواقع أن تلك مسألة مستعصية على الحل بشكل تام، وبينما هناك فريق ضخم يؤيد الانخراط في علاقات تجارية ودبلوماسية مع الصين، هناك فريق آخر من المتشككين.

وإسرائيل، على أي حال، لا يبدو عليها القلق بالمثل، كما أن تل أبيب في الواقع لا تبدي عناية خاصة للعلاقات التجارية بينها وبين بيكين، لكن إسرائيل سيكون عليها التفكير قريبًا في هذا الأمر، حيث سيتعين عليها أن تزن الإيجابيات والسلبيات فيما يخُص العلاقات مع حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة، إذا ما قررت تل أبيب الانخراط في علاقات قوية مع بيكين.

ومن أجل تحقيق الطموحات الخاصة بإعادة فتح طريق تجاري إلى بيكين، عبر مشروع عالمي للبنية التحتية يُسمى “مبادرة الحزام والطريق”، بدأت الصين في التقرب إلى دول الشرق الأوسط عبر تقديم الوعود باستثمارات ضخمة، ولم تخلوا تلك العملية من الجدال، والشركات الصينية قامت بشراء “أوتاد” لها داخل البنية التحتية الإسرائيلية مثل ميناء حيفا، الذي غالبًا ما يستضيف سفنًا حربية أمريكية، كما أن هناك شركة حكومية صينية تتحكم في شركة “تنوفا” التي تعُد أكبر شركة لإنتاج الغذاء على مستوى إسرائيل.

وتهتم الصين أيضًا في الاستثمار في قطاع التكنولوجيا والمراقبة داخل اسرائيل، فهناك مستثمرون صينيون مثل مجموعة “كوانغ تشي” ومقرها مدينة “شنجن” يعكسون الاهتمام الصيني بتلك القطاعات، وفي العام 2016 قامت مجموعة “كوانغ تشي” باستثمار 20 مليون دولار في مؤسسة eyesightالإسرائيلية الرائدة في مجال أجهزة الرؤية الخاصة بالكمبيوتر والتحكم في الإيماءات.

وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” علاقات بلاده مع الصين على أنها دليل على أن تل أبيب باتت تملك أكثر التكنولوجيات المبتكرة على مستوى العالم، وقد ارتفعت قيمة الاستثمارات الصينية في الشركات الإسرائيلية خلال العام 2017 لتصل إلى 308 مليون دولار، كما ارتفعت قيمتها بشكل طفيف خلال العام الماضي، وذلك وفقًا لبيانات محلية، وهناك توقعات بنمو تلك الاستثمارات بشكل كبير خلال العام الحالي، وهو ما جعل المسئولين الأمريكيين يشعرون بالقلق.

وخلال العام الماضي قام نائب وزير الطاقة الأمريكى “دان برويليت” بإطلاق تصريحات من تل أبيب مفادها أن إسرائيل يجب عليها تقييم الاستثمارات الأجنبية بشكل صارم، وأن نقاط الضعف في هذا الإطار ستضع العلاقات الاستخباراتية الأمريكية الإسرائيلية على المحك.

وقد كانت تلك التصريحات صادمة نظرا لكونها صادره من مسئول أمريكي رفيع المستوى، كما أنها كشفت عن فجوة في العلاقات الخاصة بين واشنطن وتل أبيب، وقد أبدى مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” أيضًا القلق حول العلاقات الإسرائيلية مع شركة ZTEالصينية المتخصصة في الإلكترونيات وشركة هواوي، وأن تلك العلاقات من الممكن أن تؤثر بالسلب على العلاقات الاستخباراتية بين واشنطن وتل أبيب.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن جزء من المشكلة يتمثّل في أن بعض الشركات الإسرائيلية – خاصة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة – تستفيد من التعاون مع الشركات الأمريكية، وإذا كان الأمر كذلك، فإن التكنولوجيا الأمريكية باتت عُرضة لاخنراق الشركات والحكومة الصينية، وذلك عبر الاستثمارات الصينية في الشركات الإسرائيلية، وكذا شراء الصينيين للمنتجات الإسرائيلية الحساسة، كما أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من عملية دخول التكنولوجيا الصينية في مشروعات البنية التحتية الإسرائيلية، وأن ذلك سيشكل خطرًا على الأمريكيين.

علاوة على ذلك، فإن التوتر المستمر في العلاقات التجارية الأمريكية الصينية سيجعل الموقف أشد تعقيدًا بالنسبة لتل أبيب، وقد حذّر محللون صينيون من أن الولايات المتحدة باتت تدفع إسرائيل إلى اعادة النظر في الاستثمارات الصينية، وذلك كوسيلة من وسائل تصعيد الضغط على الاقتصاد الصيني.

واللافت للنظر أن المسئولين الإسرائيليين، غالبًا ما يتفادون التعقيب على التوتر المحتمل في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بسبب التعاون بين بيكين وتل أبيب، ومحاولات هؤلاء المسئولين لتخفيف القلق الأمريكي توصف بالضعيفة في أفضل الأحوال، ومن الواضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على الانتظار حتى تتلاشى الخلافات الأمريكية الصينية.

والحقيقة أن تل أبيب تسير على حبل رفيع مع الولايات المتحدة فيما يخُص العلاقات الإسرائيلية الصينية، كما أن استمرار التعاون بين تل أبيب وبيكين على المستويات الحالية، مع توقعات بارتفاع مستوى التعاون في المستقبل، سيؤدي إلى تهديد التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب، الذي جعلت إدارته عملية النفوذ الصيني قضية سياسية كبرى بالنسبة لها، هذا بخلاف المخاوف التي أبداها البيت الأبيض حول التكنولوجيا الحساسة التي لدى واشنطن مصلحة فيها، تلك التكنولوجيا التي نجحت الصين في الحصول عليها.

والواقع أن التعاون الإسرائيلي الصيني قد أخذ أكبر من حجمه، وعلى سبيل المثال؛ فقد كان هناك تعاونًا بين تل أبيب وحكومة جنوب إفريقيا العنصرية، من أجل السماح للأخيرة بالتهرب من العقوبات الدولية خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضي، فمن جانب فإن تلك العلاقات لا تواجه بالكراهية مثل العلاقات التي كانت بين تل أبيب وطرف منبوذ دوليًا (مثل جنوب إفريقيا في الماضي). علاوة على ذلك فان إصرار تل أبيب على تقوية العلاقات مع الصين يتماشى مع التاريخ الإسرائيلي الذي يتسم بعدم التزام الحذر والبعد عن العقلانية، علاوة على ذلك، فإن الرغبة الإسرائيلية في المخاطرة بالعلاقات مع واشنطن بسبب الصين تدعم الشعور العام لدى المسئولين الإسرائيليين بأن تل أبيب خارج نطاق المحاسبة.

AFP PHOTO/ARIEL SCHALIT/POOL