إسرائيل وتركيا مصابتان بذات المرض: انهيار اليسار

عمر تاسبينار

AFP photo: Jack Guez

الانتخابات التي جرت في كل من تركيا وإسرائيل مؤخرًا أثبتت مرة أخرى أن هاتين الدولتين لديهما من القواسم المشتركة أكثر مما يظن المرء، ومن الوهلة الأولى، فقد أسفرت الانتخابات عن نتائج مختلفة بالنسبة لكل من رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو، وقد فاز حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان بنسبة 52% من الأصوات في الانتخابات البلدية التي شهدتها تركيا لكن الحزب خسر تلك الانتخابات في جميع المدن الكبرى تقريبًا، بما فيها أنقرة واسطنبول، أما فوز نتنياهو على المستوى القومي فقد كان هزيلًا بكل المقاييس، لكنه كان كافيًا لتمكين نتنياهو من تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة.

وبالنظر إلى الأمر بصورة سطحية نجد أن النتائج متباينة في كل من الدولتين، لكن إلقاء نظرة فاحصة كشف عن أن الاتجاه السياسي على المدى الطويل في كل منهما يسير في ذات الاتجاه: اليسار إلى هبوط بينما القومية إلى صعود.

وقد ادرك قادة البلدين أن اليسار قد فقد جاهزيته سياسيًا واجتماعيًا وأيديولوجيًا في كل من تركيا وإسرائيل، وسيستمر كل من أردوغان ونتنياهو في السير نحو اليمين عبر استغلال القومية الدينية، وفي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد التركي من الركود التضخمي، فإن المراقبين يتوقعون من أردوغان التحول إلى مزيد من الشعبوية والتحفظ والقومية.

وبالمثل، وبشكل مبسط، لا يوجد خيارات أخرى أمام نتنياهو، وهو يعلم جيدًا أن حريته الشخصية وكذا نجاته في ما يخص مستقبله السياسي يعتمدان على قيامه باحتضان اليمين المتطرف، والواقع ان إعلان نتنياهو، قبل الانتخابات نيته، ضم الضفة الغربية بالكامل هو واقع يتحدث عن نفسه، وهو يريد أن يحصل على حصانة ضد الملاحقة القضائية، وليس أمامه من طريق لتحقيق ذلك سوى أن يرتمي في أحضان اليمين المتطرف، وكنتيجة للحالة السياسية السائدة الآن في إسرائيل؛ فقد بات حل الدولتين بعيد المنال.

وأيًا كانت ادعاءات أردوغان الخاصة بالفوز؛ فإنها لم تكن لتتحقق دون حصوله على دعم شريك انتخابي قومي متطرف وهو “حزب الحركة القومية”، ودون الحصول على دعم “حزب الحركة القومية” لم يكن لأي من أردوغان أو حزب العدالة والتنمية أن ينجحا في تأسيس المنظومة الرئاسية في العام 2017، وكذا لم يكن لأي منهما أن يفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت الصيف الماضي، ولم يكن أي منهما ليتمكن من الحصول على نسبة 52% الضئيلة منذ أسبوعين، وهي النتيجة التي تحققت على الرغم من الخسارة في جميع المدن الكبرى تقريبًا.

ومع ذلك، فإن نفس الديناميكية تنطبق على النجاح الذي أحرزه أكبر أحزاب المعارضة، فقد فاز “حزب الشعب الجمهوري” في مناطق مثل أنقرة واسطنبول فقط لأنه حصل على دعم شريكه القومي “حزب الخير” الذي انفصل عن الحزب القومي المتطرف “حزب الحركة القومية”، وفي هذا الإطار؛ فإن نجاح حزب الشعب الجمهوري في المدن التركية الكبرى يعتبر بمثابة فوز صعب لتيار اليسار، ولم يكن حزب الشعب الجمهوري أبدًا من أحزاب اليسار؛ والتحالف القائم الآن بينه وبين القوميين يجعله أقل انتماءً لتيار اليسار اليوم، ولم يشعر أعضاء الحزب بتبكيت الضمير بسبب حبس الساسة من المرشحين الأكراد أو ترشح أعضاء التيار القومي المتطرف؛ ومنهم “منصور يافاش” عمدة أنقرة المنتخب.

وعلى الرغم من أن رئيس حزب الشعب الجمهوري “كمال كليجدار أوغلو” هو ذاته ينتمي إلى الأكراد؛ فإن قراره الاتجاه بالحزب إلى اليمين يعد قرارًا استراتيجيًا، وقد ادعّى أن التقسيم إلى اليمين واليسار بات غير مناسب، وأنه من الخطأ تبنّي سياسات معينة بغرض إعادة توزيع الدخل مثل فرض الضرائب بصورة تدريجية كما كان يحدث في الماضي، وقد جاء تبنّي الرجل لتيار يمين الوسط في أعقاب ظهور نموذج تاريخي، وذلك لأن المهمة قصيرة الأمد التي اضطلع بها الحزب في السبعينات من القرن الماضي حين كان في السلطة، كانت تتفق بشكل كبير مع التيار القومي.

وباختصار؛ فإن التعهد الخاص بالسلطة فيما يخص القومية التركية يتمثل في أن السبب الأوحد الذي دفع بأردوغان وحزب الشعب الجمهوري إلى إعلان الفوز جزئيًا في الانتخابات البلدية الأخيرة؛ يعود إلى الدعم الحيوي الذي حصلا عليه من شريكيهما الأصغر الذان ينتميان إلى التيار القومي المتطرف.

وبينما يشهد التاريخ بأن تيار اليسار لم يكن له الكثير من الحضور على الساحة السياسية التركية؛ فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لإسرائيل، والتي تأسست على المبادئ الصهيونية اليسارية، لكن اليوم فإن حالة اليسار الإسرائيلي باتت في ادنى مستوياتها طوال الوقت، وبعد الهزيمة المخزية التي تلقاها حزب العمل الثلاثاء الماضي حيث حصل على 5% من الاصوات؛ فإنه على المستوى العملي لم يتبقى شيء من الأيديولوجية الأساسية الخاصة بالتيار الاشتراكي، أما تيار الديمقراطيين الاجتماعيين في إسرائيل فيبدو أنه قد تم استيعابه بشكل تام داخل حزب “أبيض أزرق” الذي يقوده “بيني جانتس”، وهو الشخص الذي أعلن تحدي نتنياهو، وينتمي “جانتس” إلى تيار يمين الوسط.

ومن الواضح اليوم أن النصر الذي حققه نتنياهو يعود إلى قيامه بالتودد إلى صقور تيار القومية الدينية، وهو الآن يستطيع تشكيل الحكومة عبر التحالف مع أحزاب صغيرة تتبع اليمين المتطرف، وهي أحزاب ترفض حل الدولتين بشكل قاطع، والواقع أن مستقبل العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية يبدوا مظلمًا للغاية.

وإذا ما نظرنا إلى كل تلك العوامل مجتمعة سنجد أن النموذج العدائي الخاص بالعلاقات التركية الإسرائيلية لن يتسم فقط بالاستمرار، بل أنه سيتجه إلى الأسوأ، وليس سرًا أن كل من أردوغان ونتنياهو يبغضان بعضهما البعض، ولا يمر شهر واحد حتى يتبادل كل منهما عبارات السخرية والإهانة، لكن ما يفوت المحللين دائمًا هو التشابه المذهل الذي يختفي وراء مظهر المواجهة الزائف الذي يبدوا عليه كل منهما.

وكل منهما يعمل انطلاقًا من بناء سياسي متشابه على المستوى القومي، وكلاهما يؤمن بمبدأ ميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة)، كما أن كل منهما بارع في استغلال القومية الدينية داخل دولته، ودون وجود تيار يساري يتمتع بالقوة لمواجهتهما؛ فإن ديناميكية المواجهة المستمرة والاستقطاب الدائم بينهما سوف تصل إلى مستويات جديدة، وبالتبعية فإن السلام والاستقرار والحكم الجيد والديمقراطية الليبرالية سوف تستمر في المعاناة في كل من تركيا وإسرائيل.