عنف الإسلاميين في أفريقيا: مشكلة أفريقية تحتاج إلى حل أفريقي

دنيانيش كامات

AFP Photo: Boureima Hama

يجب أن تأخذ الحكومات الأفريقية زمام المبادرة في مكافحة العنف الإسلامي المُحتَدِم في جميع أنحاء القارة. ويتعين على صُنَّاع السياسة في الغرب أن يُدركوا أن معظم الجماعات الإسلامية في أفريقيا قد نشأت من المظالم المحلية وازدهرت بسببها، رغم انتمائها المزعوم لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ولذلك، يجب على الغرب، تبني استراتيجية شاملة لدعم الحكومات الأفريقية في ما يُرجح أن تكون معركة طويلة المدى، بدلاً من الاكتفاء بالحلول العسكرية.

وقد أدى تصاعد عنف الإسلاميين في أنحاء أفريقيا إلى دق ناقوس الخطر في العواصم الأوروبية. ففي عام 2019، أودى العنف الإسلامي بحياة 4852 شخصًا في غرب أفريقيا. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الحالي، بلغ عدد ضحايا عنف الإسلاميين 5365 شخصًا. ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أدى العنف حتى الآن إلى نزوح 600,000 شخص، وإغلاق 3500 مدرسة.

ومع ذلك، سيكون من المبالغة تصوير العنف المتصاعد في مختلف المناطق بأفريقيا على أنه عودة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ولا يعني ذلك التقليل من ثمار الجهود المبذولة لتقديم الدعم العسكري للحكومات الأفريقية بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا. وفي الواقع، ركزت الانتقادات الأخيرة المُوجهة لسياسة إدارة ترامب تجاه أفريقيا على الانسحاب المُخطَّط له للقوات الأمريكية، وإغلاق قاعدة الطائرات المًسَيَّرة في النيجر. ومع ذلك، لم يكلف الكثيرون أنفسهم عناء التساؤل عن سبب فشل أمريكا في عهد دونالد ترامب في زيادة المساعدة غير العسكرية للحكومات الأفريقية.

ربما يكون الهاجس بداعش هو ما يعمي أبصار صناع السياسة عن اكتشاف الفروق الدقيقة بين مختلف الجماعات الإرهابية المرتبطة بداعش في القارة. ولا يمكن الوصول إلى حلول ملموسة إلا بتقدير الأسباب الجذرية لهذا العنف الذي يُغذي الحركات الإرهابية.

وهناك أسباب متعددة لتصاعد عنف الإسلاميين في جميع أنحاء القارة. أولها، غياب سيطرة الدولة على مساحات شاسعة من الساحل. بالإضافة إلى عدم احترام الجماعات العرقية حدود المنطقة التي تقطنها، والتي رسمتها القوى الاستعمارية السابقة بشكل تعسُفي. أدى هذان العاملان إلى جعل المناطق الحدودية أرض مهيأة لراغبي الصيد، ومهربي الأسلحة والبضائع. حيث أن الجماعات الإرهابية لا تنشط إلا في الأراضي المحايدة الجامحة والتي ظلت بعيدة عن سيطرة القانون لفترة طويلة. حيث أدت سهولة تداول الأسلحة القادمة من ليبيا، التي تحتدم الحرب الأهلية بها، إلى تفاقم هذه المُشكلة.

وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن سكان الدول الأفريقية هم الأصغر سنًا والأكثر ديناميكية مقارنة بباقي سُكان دول العالم، إلا أن العديد من الدول الأفريقية تعاني من طبقة سياسية فاسدة ومُرتشية. فعلى سبيل المثال، تستعد ساحل العاج، التي شهدت هجمات الإسلاميين على حدودها هذا العام، لوقوع أعمال عنف مرتبطة بالانتخابات هذا الشهر، والتي قد تتحول بسرعة إلى صراع عرقي. ومن المُثير للجدل، هو دخول رئيسها الحالي البالغ من العمر 78 عامًا سباق التنافس لولاية ثالثة في 31 أكتوبر/تشرين الأول أمام رئيس سابق يبلغ من العمر 86 عامًا. ويحدث هذا الأمر في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط أعمار الشعب الإيفواري حوالى 19 عامًا. ولا تقتصر تلك المُشكلة على ساحل العاج فقط؛ فشباب المنطقة لا يرون أي فائدة للأنظمة السياسية أو الاقتصاد في بلادهم.

ومن هنا يأتي التطرف.

وبالإضافة إلى ضعف قدرة الدولة والفساد، فإن الاستجابة العنيفة لقوات الأمن الحكومية وانتهاكات حقوق الإنسان خلقت تُربة خِصبة للجهود التي تبذلها الجماعات المتطرفة لتجنيد أعضاء جُدُد. وفي يوليو/تموز، أبلغت منظمة هيومن رايتس ووتش عن العثور على 180 جثة في بوركينا فاسو، في منطقة كانت تشهد قتالاً بين القوات الحكومية ومتشددين إسلاميين. وتشير الأدلة إلى أن الحادث نتج عن تنفيذ القوات الحكومية لعمليات إعدام خارج نطاق القضاء.

أدى التغير المناخي إلى تفاقم تلك المشكلة. ففي منطقة الساحل، على سبيل المثال، أدى تغير المناخ إلى ندرة الأراضي الصالحة للزراعة وزيادة التصحر. الأمر الذي نتج عنه نشوب صراع بين رعاة الشعب الفولاني ومجتمعات الزراعة الرعوية، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى نشوب دوامة مُروعة من العنف تحت مُسمى الجماعات الإسلامية. وفي يونيو/حزيران، قتلت ولاية غرب إفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية عشرات المدنيين العزل في شمال شرق نيجيريا. وكان المدنيون المستهدفون قد شكلوا على ما يبدو وحدة للدفاع عن النفس لمنع سرقة ماشيتهم.

وفي بعض الحالات، تتحول المظالم المحلية التي كانت موجودة مُسبقًا داخل البلاد إلى عنف إسلامي شامل. وتعود أصول ولاية وسط إفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في موزمبيق إلى المسلحين المحليين الذين ظهروا في منطقة منفصلة عن الحكومة المركزية منذ فترة طويلة. وعلى الرغم من عدم وجود اختلافات عرقية في منطقة “كابو ديلجادو” التي تنشط بها الجماعة الإرهابية، إلا أن هذه المنطقة تشكو منذ فترة طويلة من إهمال الحكومة المركزية. بالفعل، فإن قوات الأمن الموزمبيقية التي أُرسِلت مُؤخرًا إلى المنطقة لم تستطع التحدث باللغة المحلية. كما تشير التقارير إلى أن الميليشيات تعمل فقط على تنظيم عمليات تهريب غير مشروعة طويلة المدى لصالح سياسيون فاسدون في موزمبيق. ومن المحتمل أن تكون تلك الميليشيات قد حملت السلاح بعد حرمانهم مؤخرًا من أنشطتها المربحة.

فلماذا إذن تقوم تلك الجماعات الإرهابية المختلفة بمُبايعة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”؟. يبدو أن هذا حدث نتيجة لعلاقة تكافلية، تكتسب من خلالها، الجماعات الأفريقية المسلحة الشرعية والشهرة والمجندين عن طريق تصنيفها على أنها إحدى الجماعات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ويستطيع تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي “داعش”، الذي بات مُفتقرًا للوجود المادي، الظهور بمظهر الوطن لتلك الجماعات عن طريق إلحاقها به. وعلى الرغم من هذه الحيلة، يجب على العالم ألا يغض الطرف عن عنف الإسلاميين المتصاعد في جميع أنحاء أفريقيا.

ولكن لا ينبغي أن يقتصر حل هذه المُشكلة على الحل الاستراتيجي العسكري البحت، وإنما يجب على الحكومات الغربية أن توائم بين دعمها العسكري المُناسب، وتمويل أكثر سخاءً تجاه التنمية المستدامة، إلى جانب الوفاق السياسي، وبناء المؤسسات والتخفيف من آثار تغير المناخ. وأخيرًا، لا يمكن العثور على حل دائم لهذه المشكلة ما لم تحمل النخب السياسية في المنطقة على عاتقها المسؤولية، وتتعاون مع بعضها لحل تلك المشكلة.

دنيانيش كامات، محلل سياسي، عمل في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم أيضًا استشارات للحكومات حول المبادرات السياسية والاستراتيجية لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.