داعش تسترد سيطرتها العسكرية والاقتصادية في سوريا

حايد حايد

يشير الارتفاع الأخير في هجمات داعش في سوريا بوضوح إلى قدرة التنظيم على العودة، بشكل ما، إلى بعض أراضيه التي خرج منها في وقت مسبق. وقد تركزت معظم الهجمات الأخيرة على معاقل سابقة في محافظتي دير الزور وحمص، ولا سيما في المدن الشرقية كالميادين والبوكمال في بداية الهجمات ثم توالت لتشمل مدينة السخنة فيما بعد. وقد جرت عمليات أخرى في مناطق شمال غرب سورية كانت قد استُعيدت من داعش في وقت مبكر من عام 2014. ولم يركن التنظيم الى الهدوء أبداً في المنطقة، فقد توجهت اليه أصابع الاتهام بتنفيذ عمليات اغتيال في إدلب، ومع ذلك فإن الهجمات الأخيرة قد شملت على جرائم قتل اشبه بالإعدامات مع ترك علامات ملحوظة على الجثث لتعلن مسؤوليتها.

يبدو الآن أن تحذيرات المحللين الأجانب والسوريين من عودة ظهور داعش لها ما يبررها. ليس من الواضح كيف سيبدو الظهور الأخير للتنظيم-ولكن الأسباب الرئيسية ليست صعبة التحديد-وان كان من المرجح ان يكون ظهورا أكثر تشددًا مما كان متوقعًا بعد خسائره الأخيرة في ساحة المعركة.

وبدا داعش على استعداد لخسارة الأراضي في سوريا منذ ان بدا في عام 2015 ان هزيمته قد باتت امراً حتمياً. وان كانت قدرته على الانكماش تعود الى هزيمته في العراق قبل 10 سنوات. وبناء على تلك التجربة، قام التنظيم بتطبيق اللامركزية على هيكله وطور من تكتيكاته بما في ذلك نقل القادة ذوي الخبرة إلى مواقع أكثر أماناً وإعداد قواعد العمليات السرية ومخابئ الأسلحة لا سيما في الصحراء الشرقية في سوريا. الشيء الوحيد المتبقي هو أن ينتظر داعش حتى تصبح الظروف مواتية للصعود مرة أخرى.

وربما يكون داعش قد وضع خطة إحيائه بالفعل، أو على الأقل فإن جزء منها قيد التنفيذ. واستخدم التنظيم جهاز الدعاية الخاص به لإرسال تعليمات إعادة تنشيط تابعيه الذين انخفضت روحهم المعنوية جراء تلك الهزائم. وكانت النشرة الإخبارية الأسبوعية “النبأ” هي المنصة الرئيسية لإعادة تعبئة الخلايا النائمة وتزويدهم بالإرشادات اللازمة لإعادة تنظيم عمليات حرب العصابات وتنفيذها، بما في ذلك الاغتيالات واستهداف الكمائن.

كما قام داعش بتغيير تكتيكاته للحد من مواطن ضعفه الواضحة في ساحة المعركة نتيجة لوجود القوة الجوية للتحالف بقيادة الولايات المتحدة. حيث اعتمد التحالف إلى حد كبير على الضربات الجوية لقصف فصائل داعش قبل العمليات البرية وأثنائها. ونتيجة لفقدان المناطق الحضرية، التي قدمت قدرا ً من الحماية من الهجمات الجوية، شرع داعش في إنشاء معسكرات سرية ومرافق تحت الأرض وشبكة من الأنفاق في الصحراء السورية لمواجهة عمليات القصف مما يتيح سهولة وسرية الوصول إلى الأهداف القريبة، بما في ذلك نقاط التفتيش والقواعد العسكرية والبلدات.

كما تمكن التنظيم من تكييف وضعه الاقتصادي مع ظروفه الجديدة. حيث اعتمدت موارده المالية إلى حد كبير على ادرار إيرادات من الأراضي التي كان يسيطر عليها من خلال الضرائب وإنتاج النفط، بالإضافة إلى بعض المصادر الأخرى التي كانت تعتمد عليها، والتي باتت جميعها أهدافًا سهلة لمعارضيها. ومنذ ذلك الحين شرع في ممارسة أعمال تبدو مشروعة، في مجال التطوير العقاري والتجارة، وحتى في قطاع الأغذية والمشروبات، بالتعاون مع أطراف ثالثة تحرِّكها دوافع تحقيق الربح.

وتساعد المشروعات التجارية الجديدة، التي يديرها الوكلاء، داعش على التحايل على قوانين مكافحة الإرهاب والحفاظ على السيولة النقدية في اقتصاد الحرب. وتزداد تدفقات الإيرادات أيضًا من خلال أنظمة مالية غير رسمية مثل الحوالة وهي التبادلات المالية التي تعتمد على علاقات الثقة مع تجار العملة بدلا ً من التحويلات الإلكترونية.

وقد ساعدت حملات مكافحة داعش المتعددة بقيادة الولايات المتحدة وتركيا وروسيا، على إخراج التنظيم من مناطقه السابقة، ولكنها تسببت أيضًا في صراع على السلطة يحول الانتباه عن الهدف الأصلي. فعلى سبيل المثال، أدى هجوم تركيا ضد القوات الكردية في عفرين في وقت سابق من هذا العام إلى تعليق القتال بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش مما أتاح له الفرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

ويوفر الفراغ الأمني، الناجم عن عدم التنسيق، أرضية خصبة لخلايا داعش لتضرب بجذورها مرة أخرى في المناطق الحضرية لاسيما في المناطق التي يسيطر عليها النظام في دير الزور، والتي تحتوي على قوات حكومية بالإضافة إلى ميليشيات مدعومة من إيران. وأيضا، فإن مناطق التمرد الموجودة بشمال سوريا، والتي يسيطر فصائل مختلفة، توفر ملاذا امنا يمكن لداعش شن هجماته منه. وقد دفع التنافس على الاستيلاء على أراضي داعش في شرق سوريا بعض الأطراف، ولا سيما النظام السوري، إلى الاستيلاء عليها دون تأمينها بشكل صحيح. واستفادت داعش من الظروف الأمنية الهشة في العمل حتى داخل المناطق التي يُفترض أنها تخضع لسيطرة النظام.

ومن غير المحتمل أن يؤدي تزايد عدد هجمات داعش ومحاولاته لتنشيط خلاياه النائمة إلى استعادة قدراته السابقة. ومع ذلك، فإن ترك العوامل التي سمحت لداعش بإعادة تنظيم نفسه دون معالجة، سيمكن التنظيم على الأرجح من الاستمرار في ممارسة العنف لفترة طويلة قادمة.

ويجب أن يكون تاريخ إحياء داعش السابق في العراق بمثابة تحذير بأن وجود التنظيم في شكله الحالي، كتمرد بدلاً من دولة معلنة ذاتياً، يمكن أن يؤدي إلى أمور أسوأ.

AFP PHOTO/BARAA AL-HALABI