هل يتسم الغرب بعدم الإنصاف تجاه التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن؟

جوناثان جرونال

AFP Photo: Mohammed Huwais

من أجل أن نصل لفهم أفضل للألية التي تسير بها حرب اليمن؛ يجب أن ننظر نظرة فاحصة إلى موجة الغضب المصطنع التي ظهرت خلال نوفمبر الماضي، والحقيقة أنه لا يمكن لشخص ما أن يتجاهل الصور الخاصة بطفل يمني يبلُغ من العمر 11 شهرًا يعاني من سوء التغذية، وقد قامت بنشر الصور منظمة “أنقذوا الأطفال” البريطانية غير الحكومية، وأرفقت تلك الصور بنشرة صحفية تؤكد على أن هناك 85 ألف طفل يمني دون الخامسة ربما يكونوا قد لقوا حتفهم بسبب الجوع منذ انطلاق حرب اليمن، وجاء بالنشرة الصحفية إن “خطر المجاعة” قد تصاعد بشدة منذ أن بدأ التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في فرض حصار على اليمن، وقد تكرر مضمون تلك النشرة في عدد لا حصر له من التقارير الإخبارية، وتتهم قوى التحالف بأنها تمثل قوى الشر، وهو التحالف الذي استجاب في العام 2015 لطلب الدعم الذي تقدمت به الحكومة اليمنية الشرعية.

ووفقًا لوجهة نظر الغرب؛ فإن الدور الذي قام به متمردي الحوثي والذي أفضى بالبلاد إلى الدخول في حرب أهلية، لم يتم تسليط الضوء عليه، على الرغم من الاستخدام العشوائي للألغام والقصف المدفعي على المدنيين والهجمات الصاروخية التي تستهدف المملكة العربية السعودية، وإجبار الأطفال على الاشتراك في القتال، وهنا يبرز استنتاجًا من الصعب تجاهله وهو أن التغطية الغربية أحادية الجانب لتلك الحرب تكشف عن قصور في استكشاف الأسوأ الموجود لدى دول الخليج الغنية، وأن هذا السلوك يغذيه اتجاه خفي يدفع الغرب إلى التحامل على التحالف السعودي – الإماراتي.

وربما تكمن جذور تلك المشكلة في الحسد الذي نشأ بسبب اكتشاف النفط، وهو الخير الذي ادى إلى تحرير دول الخليج، وهو ما أدى إلى أن باتت الاقتصادات الغربية مجتمعة تعتمد على الدول العربية التي باتت ثرية فجأة بسبب النفط، ولم يتخلى البريطانيون أبدًا عن يقين لديهم مؤداه أن النفط الذي تركوه خلفهم خلال انسحابهم الذليل من شرق قناة السويس هو نفط يخصهم بطريقة أو بأخرى.

ومن خلف تلك المتاريس التي تمثل حقبة ما بعد الاستعمار ظهر حنق الإعلام الغربي الذي بدأ هجومًا مستمر، ولم تترك وسائل الإعلام الغربية فرصة من أجل الهجوم على المؤسسات والتقاليد في دول الخليج، وأحيانًا ما كان الانتقاد لطيف نسبيًا، كالإشارة إلى “مواطن بريطاني تعرّض للسجن في دبي بسبب منشوراته على فيسبوك”؛ وفي أحيان أخرى يكون الانتقاد أقل حدة، كما فعل كاتب عمود في احد الصحف البريطانية عن مأساة تدافع الحجاج التي حدثت في العام 2015، وأسفرت عن مقتل 2000 حاج؛ وقد كان هذا سببًا لإطلاق حملة هجوم غير مسبوقة ووصف السعودية بأنها “إمبراطورية الشر”، وأنها العدو الحقيقي للدول الغربية.

وأشارت التقديرات المعتدلة لمنظمة “أنقذوا الأطفال” إلى أن خبر مقتل 85 ألف طفل يمني جوعًا لم يلقى الاهتمام المطلوب، وهو ما يتوافق مع المنهج الغربي لتغطية تلك القضية.

والواقع أن تلك التقديرات مبنية على تحول في المنهجية قام بتطويره هيئة استشارية للصحة العامة في المملكة المتحدة، وذلك من أجل قياس مدى نجاح برنامج التغذية في دولة نيجيريا، ووفقًا لملحوظة تقنية لم يتم الكشف عنها فإن تلك التقديرات اعتمدت على “دقة الأرقام المعلنة، وبالتالي فهي مقيدة بجودة ودقة تلك المعلومات”، وأن الرقم الشامل الذي تم الإعلان عنه هو ناجم عن “استقراء” مبني على التخمينات، وأنه لم يتم التحقق منه عبر أي وسيلة مباشرة لجمع البيانات.

وبمعنى آخر؛ فإن التقرير يشير إلى أن لا أحد قام برؤية هؤلاء الأطفال الذين ماتوا جوعًا ويقدر عددهم ب85 ألفًا.

وهناك تقارير أخرى عن الصراع في اليمن تشمل إحصاءات لا يمكن التحقق منها، بما فيها التغطية التي يقوم بها موقع “مشروع بيانات اليمن”، والذي تم تأسيسه في العام 2016 من أجل جمع المعلومات حول الحرب “بهدف زيادة الشفافية وتعزيز مبدأ المحاسبة فيما يخص أطراف الصراع”، وقد باتت شفافية الموقع ذاته على المحك، وهو الذي كان يدعوا للشفافية.

إن الأرقام التي أصدرها الموقع لعدد الطلعات الجوية التي قامت بها قوات التحالف ومحصلة عدد الجرحى قد تم قبولها بشكل ظاهري وتم استخدامها على مستوى العالم حصريًا كعصاة لتأديب التحالف الذي تقوده السعودية، وجرى ذلك خلال نقاشات جرت في البرلمان البريطاني والكونجرس الأمريكي، وكذا شملتها تغطية وسائل الإعلام العالمية، من نيويورك تايمز إلى الجارديان إلى شبكة إن بي سي، وقناة الجزيرة (التي أدانت السعودية وحلفائها واتهمتها بشن حرب مدمرة على اليمن).

والآن فإن الولاءات السياسية وهويات هؤلاء (الأشخاص اليمنيين المدربين الذين يعملون في جمع المعلومات بالمشروع)، والذين قال عنهم أحد المتحدثين بلسان المشروع إن أسمائهم يجب أن تظل مجهولة لاعتبارات أمنية، وقد بقيت تلك الأسماء فعلًا مجهولة.

وعلى أي حال، فإن وجهات نظر أحد مؤسسي المشروع واضحة للغاية، ففي شهر يوليو من العام الماضي قالت منظمة المجتمع المفتوح ومقرها نيويورك إن الأعمال الوحشية التي يشهدها اليمن متورط فيها قوى خارجية لا تكترث بالشعب اليمني.

ومن السذاجة بالطبع أن نعتقد أن التحالف الذي تقوده السعودية لم يرتكب أخطاء في اليمن، وأن تلك الأخطاء أدت إلى خسائر مؤلمة في الأرواح، والحرب دائمًا هي الجحيم بعينه، لكن لا يجب علينا أن نتذكر فقط من بدأ الحرب، لكن يجب علينا أن نتذكر أن كل من السعودية والإمارات لم تبدأ التصرف بشكل منفرد، لكن ذلك جرى بالتنسيق مع 9 دول عربية أخرى، وجميعهم استجابوا لمناشدة الحكومة اليمنية بطلب العون.

والأحداث المزعجة التي شهدتها منطقة الخليج على مدار الأسبوعين الماضيين أكدّت على الطبيعة المزدوجة التي تتعامل بها الدول الغربية مع حلفائها من الدول العربية، حتى وإن ظل الساسة في واشنطن يصرخون وينادون بوقف الدعم الأمريكي لتلك الحرب، والواقع أن التوتر المتصاعد في منطقة الخليج الذي تقوم به إيران وإرسال القوات الأمريكية إلى المنطقة، كل ذلك يذكرنا بأنه كي نواجه التأثير الشرير لطهران في اليمن فإن التحالف الذي تقوده السعودية يقوم بالأعمال البغيضة نيابة عن العالم الناكر للجميل.

وفي ضوء ذلك، قام مجلس العلاقات الخارجية ومقره واشنطن بنشر ورقة هذا الشهر قام بكتابتها ثلاثة أكاديميين مخضرمين، وما جاء بها كان مريحًا لكنه حمل تغييرًا غير متوقع، وخلال مقاله في مجلة فورن آفيرز كتب مايكل نايتس عضو معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، ألقى “نايتس” بمشاركة زميليه الضوء على التعقيدات التي يتم تجاهلها والخاصة بالموقف على المستوى الإقليمي، كما قال الكتاب الثلاثة إنه إذا ما أرادت واشنطن إنهاء الحرب في اليمن فعليها مساندة المملكة العربية السعودية حتى النهاية.

إن النصر الذي تم في مدينة الحديدة سوف يسمح للسعوديين والإماراتيين بإرسال رسائل إلى منافسهم في المنطقة (إيران) مفادها إنهما أقوياء ولن يستطيع أحد مضايقتهما، وبينما يجب أن تؤدي خسارة تلك المدينة إلى إقناع الحوثيين بأنهم لن يفوزوا بتلك الحرب؛ فإن الواقع الذي يقول إن إيران ربما تساند الحوثيين حتى النهاية في معركة خاسرة، فإنه يجب إرسال رسالة للإيرانيين مفادها إن مصالحهم ليست بأيديهم.

ومع تلك الخاتمة العقلانية يمكن لنا أن نضيف خاتمة أخرى؛ إنه خلال تلك المواجهة فإن المصلحة السعودية باتت مصلحة الجميع.