هل توفير المواطنة يعُد السبيل الأمثل لبناء اقتصاد قائم على المعرفة في الشرق الأوسط؟

جوزيف دانا

AFP Photo: Fayez Nureldine

تعُد حركة الافراد بمثابة العنصر الحاسم فيما يخص الصعود الحالي لاقتصادات الأسواق الناشئة، وذلك يعود لعدة عوامل متداخلة. إن نمو قطاع الطيران المدني يعني أن هناك المزيد من الرحلات الجوية الأرخص سعرًا، التي تستطيع أن تربط العالم ببعضه البعض. وفي ذات الوقت، فإن الاتصال بالإنترنت والانتشار المتزايد للهواتف الذكية المتطورة، سمحا لرجال الأعمال على مستوى العالم بإدارة الأعمال عن بُعد، واكتشاف أفضل المواهب على مستوى العالم النامي. والآن هناك مبادرة جديدة أطلقتها المملكة العربية السعودية، توفر فرصة الحصول على الجنسية للمواهب على مستوى العالم، وذلك لتوفير البنية التحتية الناعمة للرحل على مستوى العالم.

ومن سنغافورة إلى دبي، فإن المدن الصاعدة الرئيسية تجذب المواهب لأنها تمتلك بنية تحتية على مستوى عالمي، كما أن لديها قطاع طيران مدني متطور وبيئة عمل ودية. ولو أنك أردت دليلًا على أهمية تلك المدن الكبرى لاقتصادات الأسواق الناشئة إليك هذا، فقد حدثت أكبر عمليتي استحواذ على أكبر شركتين للتكنولوجيا في تاريخ الشرق الأوسط، عبر شركات مقرها دبي ويقوم على إدارتها أشخاص مغتربون. الأولى هي شركة كريم المتخصصة في النقل عبر الاستعانة بتطبيقات الإنترنت، والتي اشترتها شركة أوبر العام الحالي مقابل 3.1 مليار دولار، وكانت شركة كريم قد تأسست على يد شخصين من باكستان والسويد، تقابلا خلال عملهما معًا بشركة ماكنزي. والثانية هي شركة سوق دوت كوم، المتخصصة في التجارة عبر الإنترنت، والتي أسسها رجل أعمال سوري بارز، وقد اشترتها شركة أمازون لقاء 580 مليون دولار في العام 2017.

أما العقول التي قامت بتأسيس تلك الشركات، لم تنتقل إلى دبي على أمل الحصول على الجنسية الإماراتية، بل لقد ذهبوا إلى هناك لأن دبي توفر بيئة عمل لا يوجد مثيل لها على مستوى العالم، فمعدلات الضرائب في دبي مناسبة، كما أن الدخول إلى الأسواق الكبرى والبنية التحتية القوية، جعلا من دبي قاعدة لشركة مثل “كريم أو “سوق دوت كوم”. وهناك شركة الشحن العالمية أراميكس، التي قامت بافتتاح فرع لها في الإمارات العربية المتحدة لذات الأسباب، وهي تعُد من الشركات الكبرى على مستوى الشرق الأوسط. والواقع أن حكومة الإمارات العربية المتحدة جعلت من بناء اقتصاد المعرفة أولوية وطنية قصوى، وهذا يعني أن المزيد من الموارد سيتم توجيهها للبنية التحتية، فضلًا عن المبادرات مثل “الإقامة والعمل الإلكترونية”، التي يمكن من خلالها لرجال الأعمال أن يقوموا بتأسيس شركات داخل حدود البلاد، بغضّ النظر عن المكان الذي يديرون منه تلك الشركات.

وتلك السياسات أثبتت نجاحها وهناك دول خليجية أخرى أدركت ذلك، وهناك العديد من الشركات التكنولوجية الناشئة، خاصة تلك المتخصصة في التكنولوجيا المالية، أيضًا قامت بتأسيس فروع لها في دبي. وكما ذكرت سلفًا حول شركات التكنولوجيا المالية الصاعدة على مستوى القارة الأفريقية، فقد لاحظت أمرًا شائعًا، فهؤلاء جميعًا قضوا وقتًا طويلًا في دبي من أجل حضور الاجتماعات والمؤتمرات وجذب رؤوس الأموال، ومن الشائع بين تلك الشركات الناشئة، إقامة مكاتب صغيرة لها في الإمارات العربية المتحدة، لمجرد الحصول على موطئ قدم في مكان العمل.

وبالنظر إلى النجاح الذي حققته الإمارات العربية المتحدة في تحويل دبي إلى مركز اقتصادي للعالم الناشئ، فقد بدأت دول خليجية أخرى في محاكاة النموذج الإماراتي، والمملكة العربية السعودية تعُد أبرز الأمثلة على ذلك، وفي إطار خطط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، التي تهدف إلى تنويع موارد الاقتصاد السعودي، وعدم الاعتماد كلية على النفط والاتجاه نحو التكنولوجيا، فقد قامت المملكة بضخ استثمارات ضخمة من أجل بناء اقتصاد قائم على المعرفة.

والمملكة العربية السعودية أيضًا تفتح أبوابها للعالم، وميزة الحصول على الفيزا لدى الوصول باتت متوفرة لمواطني العديد من الدول، وأيضًا هناك فيزات مخصصة للمستثمرين، وخلال الشهر الحالي أعلن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز أن المواطنة باتت متوفرة لأعضاء المجتمعات العلمية والطبية والتكنولوجية الذين أقاموا في المملكة لما يزيد على 5 سنوات. والمعروف تاريخيًا أن دول الخليج تتسم بالتردد حيال توفير المواطنة للأجانب والمغتربين، وذلك على الرغم من أن هناك أعداد ضخمة من الأجانب الذين ولدوا في دول الخليج.

وفيما يتعلّق بمحاولات جذب المواهب، فإن المبادرات السعودية تستحق الثناء لكنها لم تنجح في تحقيق الهدف، فنوعية المواهب القوية التي تستهدفها المملكة غالبًا ما تكون سعيدة بالجنسية التي تحملها، وبدلًا من ذلك؛ فإن تلك البرامج ستكون أكثر إفادة إذا ما تم استخدامها في الكشف عن المواهب القيادية المستقبلية كل في مجاله، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف فإن المواطنة ما هي إلا عنصر واحد من مجموعة من الفرص تم توفيرها لهم، وربما تكون أخر عنصر في قائمة تلك الفرص.

ويمكن النظر إلى هذا الأمر على أنه يفتح آفاقًا لإمكانيات جديدة، وفي الأسواق الناشئة، هناك تعاون يتم عبر الحدود، من خلال الاستعانة بالاتصال بالإنترنت والسفر، وكنتيجة لذلك؛ فقد بات الاهتمام بمسألة المواطنة من الأمور الثانوية، وبات رجال الأعمال يسافرون بين الدول أكثر من أي وقت مضى، لذا فإن التوسُع في تسهيلات دخول البلاد كبديل لتوفير جواز سفر لهؤلاء، ربما يكون أكثر فاعلية وقوة.

ومبادرة دبي الأخيرة، والخاصة بتوفير التسجيل الإلكتروني للأعمال، تتماشى مع طبيعة الاقتصاد التكنولوجي، أكثر منها كعرض لتوفير المواطنة للأفراد. وخطة دبي التي تعُد محاكاة لتجربة إستونيا الناجحة الخاصة ببرنامج الإقامة الإلكتروني، ستسمح بدمج الأعمال بصورة إلكترونية، ومن ثم إدارة تلك الأعمال من أي مكان. وبذلك يمكن الاستفادة من البنية التحتية الاقتصادية والقانونية للإمارات العربية المتحدة دون حاجة لأصحاب تلك الأعمال لمغادرة الأسواق التي تنمو وتُستخدم منتجاتهم من خلالها.

وبالنظر إلى حجم الاقتصاد السعودي، فإن برنامجًا مماثلًا ربما يكون له منافع أكثر، ويجب أن يتركز الهدف حول توفير احتياجات الشركات الناشئة، وأكثر ما تحتاجه تلك الشركات هو المرونة. وعبر الاستعانة بالاستثمار في البنية التحتية ووضع قوانين عمل مناسبة، فيمكن للمملكة العربية السعودية بسهولة جذب المواهب من الأسواق الناشئة، الذين سيكون بمقدورهم السفر للمملكة بسهولة إذا ما احتاج أحدهم لذلك. ولو استطاعت المملكة توفير بيئة جاذبة ومرنة للجيل القادم من رجال الأعمال على مستوى العالم؛ فستكون هناك قائمة من الشركات التي تريد افتتاح فروع لها في المملكة.

 

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.