هل من اللائق ممارسة الاستيلاء الثقافي؟

جوناثان جرونال

Image courtesy of Gujarat Information Department / AFP

إذا كنت من محبي اليوغا، ولكنك ليس لديك أصول هندية، فيجب أن تطوي سجادة التمارين وتبتعد في خجل، ولا تنحني او تمارس تمارين التمطي المستلهمة من اليوغا مرة أخرى.

وتلك، على الأقل، هي الزبدة المستخلصة من الهجوم الأخير الذي شنته حركة الاستيلاء الثقافي، والذي على حد تعبير صحيفة الجارديان الجاد بكل مرارة في المملكة المتحدة، “إن الاستيلاء الثقافي من قبل قطاع الصحة الذي يديره أصحاب البشرة البيضاء على اليوغا هو شكل من أشكال الاستعمار في القرن الـ21″.

ويعرف قاموس كامبريدج مصطلح “الاستيلاء الثقافي” بأنه ” أخذ أو استخدام أشياء من ثقافة ليست بثقافة المستخدم، خاصة دون فهم أو احترام لتلك الثقافة”.

ويضر القاموس بعض الأمثلة مثل: “يرى البعض استخدامه للموسيقى الأفريقية بمثابة استيلاء ثقافي” وذلك بالطبع خبر سيء لبول سيمون ومحبي ألبومه الصادر في عام 1986 ( ذارقريس لاند).

ولكن صرخات “الاستيلاء الثقافي” الغاضبة تميل إلى إخفاء مخطط ضيق ويدعو للانعزالية، والتي يظهر للعيان متى بدأ المرء في البحث عن التطبيق المتوازن للمبدأ.

وفي حين يزعم مناهضو الفكرة أن الهند لابد أن “تستعيد” اليوغا، فليس هناك أي اقتراح متبادل بأن الهند لابد أن تتخلى عن لعبة الكريكيت المحبوبة، وهي اللعبة الإنجليزية الأصل، أو أن على بقية العالم التخلي عن كرة القدم (ويطلق عليها المسمى الأمريكي “سوكر”)، أو حتى لعبة الركبي وكل الألعاب التي بزغ فجرها في المملكة المتحدة.

أما بالنسبة للبولو، فإذا أردنا اتباع موقف اليوغا إلى أقصى حدوده المنطقية، فيجب إعادة جميع المضارب والاحصنة على الفور إلى إيران، حيث من المفترض أن اللعبة ظهرت بغرض التدريب لسلاح الفرسان الإيراني منذ أكثر من 2000 عام.

يمكن تصوير الاستيلاء الثقافي على أنه أمر سيء من قبل أولئك الذين لديهم فأس لقطع دابر الاستعمار، لكن نقد الفكرة لا تخلوا من المخاطر.

إذا تمكنت الهند، من خلال تطبيق غريب لقوة غامضة، من إجبار بقية العالم على التخلي عن اليوغا، فمن سيكون المستفيد؟

فلن يستفيد من ذلك المتفانين لليوغا الغربيين، الذين سيشيخون من دون ممارسة تمارين التمطي، وليست الهند، التي ستخسر اليوغا كسفير للقوة الناعمة، ولربط العالم بجذورها الروحانية القديمة.

والأفكار تسافر وتندمج الثقافات والأمم تمارس التجارة ويهاجر الناس وتتطور الحضارات. وكما قال بول سيمون أثناء رده عن الجدل حول غريسلاند في مقابلة عام 2011، “الجميع مستفيد، هذه هي الطريقة التي تنمو بها الموسيقى وتتشكل “.

إن السعي إلى حماية واحتكار أي جانب من جوانب أي ثقافة من الثقافات هو ممارسة لا طائل منها، مثله مثل محاولة معرفة أين يبدأ وينتهي المد والجزر في مياه البحر، فالثقافات متشابكة بشكل لا ينفصم، اسحب خيطا واحدا وكل شيء يتفكك.

إذا عدنا بالزمان للوراء بما فيه الكفاية فسنجد أن كل  شيء في العالم هو نتاج الاستيلاء الثقافي، من البيتزا والكاري والفوندو والسمك والبطاطا، إلى الهندسة المعمارية والزراعة والموسيقى والفن، إلى التنانير و الموسيقى و خطوات الرقص و المكياج و أجهزة الكمبيوتر و الوشم و الكهرباء و النقانق و الديمقراطية و محرك الاحتراق الداخلي و الدين و ركوب الأمواج وحتى الكتابة، فقد بدأ كل شيء في مكان ما وانتشر إلى كل مكان.

إن بوتقة انصهار الفكر والإبداع الإنساني تفيدنا جميعا، ومحاولة الاحتفاظ بأي عنصر للاستخدام الحصري لمجموعة واحدة، أو حظر أي شيء لم ينشأ من داخل المجتمع المحلي، هي فكرة مستحيلة وتمهد للهزيمة الذاتية.

وكمثال على مدى تعقيد هذا الموضوع، اتهمت نجوزي فولاني، وهي المرأة البريطانية السوداء، مؤخرا أحد أفراد الأسرة المالكة في بريطانيا بالعنصرية لسؤالها من أين “أتت حقا”، ولكنها أيضا اتهمت – من قبل بريطانيين سود آخرين – بالاستيلاء على الثقافة الأفريقية.

على الرغم من ولادتها في المملكة المتحدة من أصل كاريبي، اختارت “فولاني” تغيير اسمها من مارلين هيدلي وتبنت اللباس الأفريقي.

لكن لماذا لا تفعل ذلك؟ حيث كان لها رابط مباشر  بتراث غرب أفريقي (ويبدو أن منتقديها قد نسوا أن المجتمعات السوداء في منطقة البحر الكاريبي نشأت في إفريقيا)  فأمام المرء خيار: إما الشعور بالإساءة من “استيلاء” الفولاني، أو الترحيب به كمثال إيجابي للتبادل الثقافي.

وقد تجلى ذلك العنصر الإيجابي في كأس العالم والذي أقيم في  قطر مؤخرا، حيث أتهم مشجعو كرة القدم الغربيون الذين ارتدوا الغترة وهي غطاء الرأس التقليدي المفضل في قطر، في بعض الأوساط بالاستيلاء الثقافي، ولكن ليس من قبل القطريين أنفسهم، الذين بدا أنهم يحبون الفكرة.

وكان هناك ليونيل ميسي، الذي لفه أمير قطر بالبشت، وهي العباءة العربية التقليدية، كبادرة احترام بعد فوز الأرجنتين بكأس العالم. وإذا وضعنا جانبا نوبات العنصرية غير المحسوبة عبر العديد من وسائل الإعلام الغربية، لقد كان ذلك مثالا دراماتيكيا على التبادل الثقافي.

ولا أحد يقترح هنا أن الأرجنتينيين سيبدؤون في ارتداء البشت، لكن ظهور ذلك الثوب على المسرح العالمي، والحوار الذي أثاره، ستقدم للملايين لمحة عن ثقافة كانت حتى تلك اللحظة، في أحسن الأحوال، لغزا بالنسبة لهم، أو جانب من جوانب الثقافة المشوه.

في عالمنا الحديث والقائم على العولمة، من الأنسب بكثير تبني ما يسمى بـ”الاستيلاء الثقافي” والنظر إليه على حقيقته وهو: التبادل الثقافي، والقوة الدافعة وراء الحضارة، والتقدم البشري منذ أن طور السومريون لأول مرة وبدأوا في تصدير البرونز من بلاد ما بين النهرين إلى بقية العالم المعروف آنذاك.

وباعتباره شريان الحياة للحضارة، ينبغي تشجيع الاستيلاء الثقافي والاحتفاء به، وليس فرض الرقابة عليه، فبدونه سيظل الجميع خارج بلاد ما بين النهرين يعيشون في العصر الحجري.

 

جوناثان غورنال صحفي بريطاني، عمل سابقا مع صحيفة التايمز، وعاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الآن في المملكة المتحدة.