هل بات أردوغان على وشك تحويل تركيا إلى مكان أكثر خطورة بالنسبة للنساء؟

الكسندرا دي كرامر

AFP Photo: Adem Altan

حينما بدأ العمل باتفاقية اسطنبول لمناهضة العنف الأسري في العام 2011، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان بفخر أن بلاده باتت أولى الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي التي تقوم بالتوقيع على الاتفاقية، لكن ثبت بعد ذلك أن تفاخُر أردوغان كان كاذبًا، فالعنف ضد المرأة لم يشهد فقط انتشارًا في تركيا، بل أن الحكومة الآن تتحدث عن إنهاء العمل بتلك الاتفاقية الدولية والتوقف عن الحماية التي توفرها للنساء.

وترتكز مبادئ تلك الاتفاقية على مناهضة العنف ضد النساء وحماية ضحايا أعمال العنف تلك ورفع الحصانة عن الجناة الذين يرتكبون أعمال العنف، لكن منذ التوقيع على تلك الاتفاقية في العام 2012 لم يفعل أردوغان وحزبه العدالة والتنمية شيئًا يذكر لأجل التمسك بتلك المبادئ، والحقيقة هي أن الرئيس عازم على العمل ضد تلك المبادئ.

فبعد عامين فقط من التوقيع على تلك الاتفاقية أعلن أردوغان أنه “لا يجب المساواة بين الرجال والنساء بسبب طبيعتهن الرقيقة”، وأضاف أن “ديننا قام بتحديد وضع النساء: الأمومة”، وكي يزيد الطين بلة، كرر الرئيس تلك التصريحات خلال افتتاحه مبنى جديد يخص جمعية المرأة والديمقراطية التركية (كاظم)، وفي تجمع للمنظمات غير الحكومية في يونيو من عام 2019 قال أردوغان إن اتفاقية اسطنبول “لا تتوافق مع قيم المجتمع التركي”، ومن ثم فهو يرى عدم الالتزام بها.

وفي مقابلة إذاعية جرت في الثاني من يوليو قال نعمان كورتولموش، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، إنه “بما أنه شخص قرأ اتفاقية اسطنبول عدة مرات” فهو يعتقد أن تركيا “أخطأت” حين وقّعت على تلك الاتفاقية ويجب عليها الانسحاب منها لأنها تدعو لأداء أدوار غير مناسبة للجنسين وقيم الأسرة.

وقد اعترفت الحكومة بأنها لا تملك أرقامًا حول عدد القتلى النساء ضحايا العنف الأسري، لكن منصة “سنوقف قتل النساء” لديها تلك الأرقام على أي حال، حيث شهد عام 2019 مقتل 474 امرأة، وفي عام 2013 وهو العام اللاحق على توقيع تركيا على اتفاقية اسطنبول وصل الرقم إلى 237 امرأة، وفي النصف الأول من العام 2020 قُتِلت 211 امرأة في تركيا، وذلك وفقًا ل”عداد النُصب” وهو موقع معني بتوثيق حالات القتل التي تقع ضحية للعنف الأسري.

وإحدى تلك الضحايا تُدعى فاطمة التينماكاس، حيث ذهبت فاطمة في الأول من يوليو إلى مركز الشرطة في مدينة “موش” مسقط رأسها، وتقع شرقي تركيا، للإبلاغ عن صهرها الذي قام باغتصابها عدة مرات، وقد أحيل الجاني إلى المحاكمة لكن تمت تبرئته لعدم كفاية الأدلة، ولم توفر الشرطة الحماية لفاطمة بعد صدور الحكم، وفي الرابع عشر من يوليو قُتِلت فاطمة بالرصاص على يد زوجها “دفاعًا عن الشرف”.

وهناك منظمات مثل “منصة تركيا للعائلات” التي يصل عدد أعضائها لأكثر من ثلاثة آلاف عضو تتعامل مع اتفاقية اسطنبول على أنها تهديد للإسلام، أما رئيس المنظمة أدم سيفيك فقد قام بالتأكيد علانية على أن منع الزواج المبكر يعتبر تحدِ لله، ووصف اتفاقية اسطنبول بأنها “مشروع سيؤدي إلى تخلُص المجتمع من العائلات”، وأعلن أيضًا عن رغبته في انسحاب تركيا من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وهي عبارة عن ميثاق دولي لحقوق المرأة اعتمدته الأمم المتحدة في عام 1979 وصدقّت عليه 189 دولة، وحتى الآن فإن الدعم الشعبي لتلك الفكرة يعُد محدودًا، حيث قام 4500 شخص بالتوقيع على عريضة تطالب بالانسحاب من تلك الاتفاقية.

وقد بات الإعلام التركي بشكل متصاعد منصة لمعارضي اتفاقية اسطنبول، وأحد هؤلاء هو علي إركان وهو كاتب عمود بصحيفة يني أكيت اليومية المحسوبة على التيار المحافظ، حيث وصف اتفاقية اسطنبول بأنها “قانون مستورد”، وهو ربما غير واعِ بأن الاتفاقية خرجت إلى النور في تركيا أو بالدور الذي قامت به نساء تركيا من أجل صياغة تلك الاتفاقية.

ووصلت الخلافات حول اتفاقية اسطنبول إلى داخل حزب العدالة والتنمية، وحتى أنها وصلت إلى أسرة أردوغان، حيث أن ابنته سمية، وهي تشغل منصب نائب رئيس مؤسسة كاظمالتي تعارض الانسحاب من اتفاقية اسطنبول.

وفي اجتماع مغلق للحكومة التركية في يوليو أصدر أردوغان الأمر بإجراء استطلاع رأي لمعرفة وجهات النظر حول اتفاقية اسطنبول، وأشار أردوغان إلى أنه “إذا أراد الشعب الانسحاب من تلك الاتفاقية، فحينها سيتوجب الانسحاب منها”.

وعلى أي حال يبدو أن الشعب التركي لا يعرف ما يريد، فقد أظهر أحدث استطلاع للرأي نشرته مؤسسة اسطنبول للأبحاث الاقتصادية واستطلاعات الرأي، أن 51% من الشعب التركي لا يعلمون ماهية اتفاقية اسطنبول، وبالنسبة لهؤلاء الذين يعلمون ماهية الاتفاقية فإن 9% منهم فقط يؤيدون الانسحاب منها، وحينما تم توجيه سؤال حول هذا الأمر، بدا واضحًا أن هناك خلط بين اتفاقية اسطنبول واتفاقية مونترو، فالأخيرة تم التوقيع عليها عام 1936، وتتعلق بالسيطرة على مضيق الدردنيل.

ووفقًا لتصريحات المدير العام لمؤسسة استطلاع الرأي، فإنه ليس من المتوقع أن يعلم جميع الأشخاص ماهية اتفاقية اسطنبول، لكن لو تمت إحالة مسألة الانسحاب من الاتفاقية من عدمه للرأي العام، سيتوجب حينها أن يعلم الشعب ما سيقوم بالتصويت عليه.

وقد وصل العنف ضد المرأة في تركيا إلى مستويات غير مسبوقة، وبات معدل قتل الإناث في البلاد واحدًا من أكبر المشكلات التي تواجه الحكومة، لكنها لا ترفض فقط معالجة الأمر، بل وتعتزم بجدية التخلص من تلك المظلة الدولية لحماية النساء.

ويبدو أن نساء تركيا بات عليهن عدم الاعتماد على الحكومة التركية فيما يخص احترام حقوقهن.

 

ألكسندرا دي كرامر صحافية تقيم في اسطنبول، وتنقل “ألكسندرا” أخبار الربيع العربي من بيروت بصفتها مراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “مليت”، وتتناول “ألكسندرا” في عملها أخبار الشؤون الجارية والأخبار الثقافية، ولها كتابات في مجلات “مونكليه” و”كورير”، و”مايسون فرانشيز” وصحيفة “اسطنبول آرت نيوز”.