هل تعمل الصين على وضع نموذج جديد للعلاقات بينها وبين إفريقيا؟

ستيف تسانغ

كيف يمكن لنا أن نفهم القمة الصينية الإفريقية التي تُعقد كل ثلاث سنوات والتي انتهت تواً في العاصمة الصينية بيكين ؟، حيث أن هناك 53 دولة من أصل 54 دولة إفريقية تم تمثيلها خلال تلك القمة وأعلنت جميعها عن الإعجاب بالبلد المضيف، وبلا جدال فإن الصين ترى ما حدث على أنه خطوة ناجحة، كما أن ما حدث هو “انتصار” أيضاً لقادة الدول الإفريقية التي حضرت القمة، لكن ماذا استفاد مواطني الدول الإفريقية العاديين من تلك القمة؟، وهل نحن بصدد رؤية “نسخة مُعدّلة من الاستعمار؟” بدأت في الظهور.

وقد أشاد الرئيس الصيني شي جين بينغ بالقمة باعتبارها خطوة ناجحة من أجل بناء علاقة شراكة مع إفريقيا و”اتفاق من أجل المصير المشترك”، وقد تعهّد الرئيس الصيني بتقديم دعم يبلُغ 60 مليار دولار لإفريقيا، أو في الحقيقة من أجل دعم تنفيذ المشروع الرئيسي للزعيم الصيني “مبادرة الحزام والطريق” في قارة إفريقيا، ولو أن كل دولة إفريقية حصلت على نصيب متساوي فإن كل دولة سوف تحصل على مليار دولار فقط، لكن حتى هذا الدعم المالي لن يتم توزيعه، وسوف تنتفع منه بعض الدول أكثر من دول أخرى.

ومن ضمن الالتزامات التي نشأت فيما يتعلّق بمبلغ الستين مليار دولار فقد أعلنت الصين عن تخصيص 15 مليار دولار من أجل المِنح والقروض منعدمة أو منخفضة الفائدة، كما تم تخصيص عشرة مليارات من أجل الصندوق الصيني الإفريقي الخاص، وخمسة مليارات لدعم الصادرات الإفريقية إلى الصين، وعلى أي حال لم تكُن هناك أية تفاصيل حول كل ذلك.

والواقع أنه ليس من المعلوم حجم الأموال التي قامت الصين بتخصيصها كمِنح من أصل مبلغ 15 مليار دولار، وكم من هذا المبلغ تم تخصيصه لشراء آخر حلفاء تايوان في إفريقيا، وعلى سبيل المثال؛ ما هو نصيب بوركينا فاسو مقابل إعلان اعترافها ببيكين بدلاً من تايبيه في مايو الماضي؟.

ولم تظهر أية إشارات من “شي جين بينغ” تنذر بأن بيكين سوف تتخلّى عن الأسلوب المركزي فيما يتعلّق بإغداق الأموال على مبادرة الحزام والطريق، وهذا يعني أن النسبة الأكبر من تلك الأموال سوف تبقى مُراقبة بإحكام وأنها غالباً ما سيتم استخدامها في تمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى، تماماً مثل ما حدث في السابق.

لكن هناك تغييراً واحداً جديراً بالملاحظة فيما يتعلّق بمبلغ خمسة مليارات دولار الذي تم تخصيصه من أجل دعم الصادرات الإفريقية إلى الصين، والحقيقة أن هذا المبلغ يمثل 8% فقط من إجمالي المبلغ، وتلك النسبة تعكس أولويات بيكين فيما يخُص دعم الدول الإفريقية لبناء قدرات اقتصادية دائمة، تماماً مثل ما كان تركيز الدول الغربية واليابان فيما يخُص تمويل مشروعات التنمية، لكنها تعُد بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح، ومن الواضح أنها جاءت استجابة للمطالبات الصاخبة من الأفارقة العاديون من أجل الحصول على الدعم لتعزيز التصنيع ومن ثم إيجاد المزيد من فرص العمل للشباب الأفارقة.

ولم ينتفع مُعظم مواطني الدول الإفريقية من مرافق البنية التحتية البرّاقة التي لا يتحملون تكلفة استخدامها، وأكثر ما يحتاجه هؤلاء هو الوظائف والفُرص، والواقع أن الاستثمارات في المجال الصناعي والتي من الممكن أن توجد فرص عمل للأفارقة هي من يستطيع إيجاد الفارق بالنسبة للمواطنين العاديين، وليس المشروعات الفخمة التي يقوم بها المتعاقدون الصينيون الذين غالباً ما يستعينون بالعمال الصينيين لتنفيذ المشروعات في المواقع الأجنبية.

والآن فإن ما تبقّى لدينا كي نراه هو كيف سيتم استخدام المليارات الخمسة لإيجاد وظائف دائمة في القطاع الصناعي بالدول الإفريقية، ومجدداً لم يتم الكشف عن خريطة طريق في هذا الصدد، والواقع أنه أمر يدعو إلى الشفقة حيث أن هناك إمكانية هائلة لدى الصين من أجل نقل عمالة التصنيع منخفضة التكاليف إلى الدول الإفريقية حيث أن ارتفاع تكلفة العمالة يحد من فُرص هؤلاء الأفارقة للمنافسة في الداخل الصيني، وحيث أن تلك الصناعات غالباً ما تكون عبارة عن مشروعات خاصة صغيرة ومتوسطة، فإن تلك المشروعات لن تلجأ إلى إفريقيا وتعمل على توفير فُرص عمل للأفارقة وذلك ببساطة لأن شي جين بينغ قام بإلغاء هذا التمويل، والواقع أن الوعود الخاصة بتقديم التمويل غالباً ما تفشل في التحول إلى حقيقة واقعة.

وهل تعُد مجهودات شي جين بينغ المحدودة بشكلها الحالي بمثابة رد على تصريحات رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد التي أطلقها مؤخراً في بيكين وعبّر فيها عن قلقه من ظهور “نسخة مُعدّلة من الاستعمار”؟، وكانت إشارة مهاتير محمد تعبيراً عن بلاغة سياسية مؤثرة سمحت لبلاده بالتراجُع عن عدد من المشروعات الكبرى الغير جوهرية والتي لا يمكن تحمُلها والتي كان من الممكن لها أن تكون نموذجاً لفخ الديون الصيني الذي وقعت فيه عدد من الدول الإفريقية ودول جنوب آسيا، وهذا يعني من المفهوم التحليلي أن تلك المشروعات على وجه الخصوص عديمة الفائدة، ولا يوجد تعريف واحد مُبسّط لمصطلح الاستعمار، ناهيك عن “النسخة الجديدة من الاستعمار”، ويمكن للقادة الصينيين رفض هذا المفهوم حيث أنهم يدّعون أن الصين جزء من العالم الجنوبي فلا يمكن وصف ما تقوم به بالاستعمار أو الإمبريالية.

وعلى الرغم من ذلك فإن على القادة الصينيين عدم نسيان حقيقة أن الأفعال تتحدّث بصوت أعلى من الأقوال، والصين لا تحتاج إلى نشر قوات ضخمة في أي دولة إفريقية من أجل أن يُنظر إلى بيكين على أنها تسلك سلوك القوى الاستعمارية، ومُعظم الدول الإفريقية لها ماض في مجال الاستعمار وتلك الدول تعلم ما هي العلاقة الاستعمارية.

وتاريخياً فإن علاقة الاستعمار الرسمية يسبقها علاقات تجارية واستعمارية غير رسمية، والاستعمار البريطاني خلال الحقبة الفكتورية لم يكن لديها برنامج عمل للغزو الاستعماري، لذا فإن عدم امتلاك بيكين لمثل تلك الخطة لن يعني الكثير، فقيام الإمبراطورية البريطانية لم يكن في الحسبان، حيث أن توسُع المصالح الاقتصادية البريطانية جعل التاج البريطاني عاجزاً عن حماية المصالح البريطانية وأدّى هذا تدريجياً إلى التأكيد على السيطرة الاستعمارية البريطانية، وكانت الإمبراطورية البريطانية أيضاً بمثابة نموذج للتمدُد الاستعماري الذي يعتمد على التكلفة الفعالة، وغالباً ما تجنّبت بريطانيا الغزوات عالية التكاليف واعتمدت بدلاً من ذلك على العمل مع القادة المحليين واعتمدت على مبدأ المصلحة المشتركة للجميع خاصة خلال المراحل الأولى.

والوقت كفيل بتوضيح حقيقة ما إذا كانت الصين تحت قيادة شي جين بينغ ستسير على خُطى الإمبريالية البريطانية القديمة، لكن مواطني الدول الإفريقية الذين يرون التمدُد السريع للمصالح الاقتصادية الصينية لن ينتظرون حتى يقوموا باستنتاج النهايات الخاصة بهم، ولو أن الصين عملت مع هؤلاء المواطنين من أجل مصلحتهم وليس من أجل مصلحة قادتهم فإن هؤلاء المواطنين غالباً ما سيرحبون بالصين كشريك لهم، لذا فإن الصين لو كانت صادقة فيما يتعلّق بإقامة شراكة مع القارة الإفريقية على أساس مبدأ المصلحة المشتركة للجميع يجب عليها إذاً التركيز على المشروعات التي تجلب المنفعة لمواطني الدول الإفريقية وليس فقط منفعة بيكين والقادة المحليين بتلك الدول، وسوف يكون هذا اختباراً صعباً، لكن علينا أن نكرر مرة أخرى أن تفاصيل مقاصد بيكين الحقيقية لا زالت غائبة.

AFP PHOTO/POOL/Lintao Zhang