تدهور الوضع في العراق – وغير ضروري – أزمة مجلس الوزراء

كيرك ه. سوويل

صرح رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي باعتراف غير متوقع، حيث قال إنه مجرد دمية على المسرح السياسي، وبالطبع فهو لم يقل هذا الكلام حرفيًا، فما قاله هو أنه لم يكن طرفًا في اختيار المرشحين للمناصب الوزارية، بل أن بعضهم مفروض عليه. وكشف تصريح رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” عن هشاشة الحكومة ولاسيما أن هذا التصريح جاء بعد مرور أسبوع واحد على انهيار العلاقة بينه وبين مقتدى الصدر ذلك القائد الشيعي الذ يمتلك شعبية كبيره، فيما يتعلق بمنصب وزارة الداخلية القوية. وبالنظر إلى قدرة “مقتدى الصدر” المثبتة على تعبئة أتباعه، نجد أن السياسة قد تشكل مرة أخرى تهديدًا بإثارة الشوارع بالعنف.

وأصبح مأزق عبد المهدي الآن يتمثل في اعتلائه منصب رئيس الوزراء، وذلك لأن مقتدى الصدر كان داعمًا له كليًا لأن الصدر كان يعتبره “مستقلاً”. ولأن عبد المهدي قطع جميع روابطه السياسية بعد استقالته من منصب وزيرًا للنفط في العام 2016،فقد افترض مقتدى الصدر بأن عبد المهدي لن يتأثر بمنافسيه السابقين وبالأخص كتلة “البناء” الموالية لإيران بزعامة “هادي العامري”. وبينما قبل العامري بترشيح “عبد المهدي” لمنصب رئيس الوزراء، الا انه لن تكون هناك أسباب رئيسية مشتركة قد تجمع بين العامري ومقتدى الصدر للموافقة على ترشيح “عبد المهدي”، ومن هنا لا وجود لتحالف رسمي وراء اختيار الوزراء. ويؤكد مقتدى الصدر على أنه يتعين على رئيس الوزراء إخضاع الوزارات الرئيسية تحت قيادة وزراء تقنوقراط مستقلين”، في الوقت الذي أعلن فيه حلفاء “العامري” صراحة عن رغبتهم في اختيار المرشحين وفقًا لاعتبارات سياسية بما يخدم مصالحهم.

ولهذا لم يكن من المستغرب أن تتألف وزارة “عبد المهدي” من رؤية حكومية مختلفة لاثنين من الفصائل. وفي الخامس والعشرين “25” من أكتوبر، وافق البرلمان على ترشيح أربعة عشر “14”وزيراً فقط من أصل الـ”22″ مرشحًا الذين اقترحهم عبد المهدي. غير أن التحدي الأكبر كان في ترشيح “فالح الفياض” وزيرًا للداخلية، والسبب في ذلك هو تحالف الفياض مع العامري، وكان البعض ينظر إلى الفياض على أنه مرشح إيران في البرلمان. ولهذا كان من المتوقع أن يعارض “الصدر” هذا الترشيح.

واضطر عبد المهدي لاحقًا التخلي عن مرشحين جدد واحد تلو الآخر، والسبب الأهم هو معارضة الصدر لترشيح الفياض، والذي ظل على قائمة المرشحين – ولا يحفى على أحد أن العامري كان أبرز الداعمين لفياض. وفي الثامن “8” من نوفمبر، زار كلٌ من العامري والفياض مقتدى الصدر على أمل إبرام صفقة، بيد أن الصدر لم يتزحزح عن موقفه، وظل العامري وحلفائه يهددون على مدار الأيام الباقية من الشهر بالاستعانة بالأغلبية البرلمانية التابعة لهم لإقرار ترشيح الفياض، وهذا التهديد من الخطورة بمكان إذا ما تم تنفيذه في ضوء قدرة مقتدى الصدر على تعبئة عدد كبير من أتباعه إلى الشوارع دعمًا له، بيد أن عبد المهدي مازال متحفظًا بخصوص المضي قدمًا في ترشيح الفياض.

وفي الثالث من ديسمبر، أي قبل يوم من التصويت الذي يتوقع أن ينظمه البرلمان، وجه مقتدى الصدر خطابًا مفتوحًا إلى “عبد المهدي” متوعدًا إياه بالانتقال إلى صفوف المعارضة إذا أصر المهدي على قائمته الوزارية. وكتب الصدر “ستكون مسؤولاً أمام الشعب، وأمام الله وأمام الهيئة الدينية”. “وفي تلك الحالة، سأكون معارضًا لحكومتك. وفي خطاب سابق، قال الصدر بأنه سيمنح المهدي عامًا لإثبات نفسه، بينما الآن، يتوعد الصدر بمنح المهدي مدة لن تزيد عن ستة “6” أشهر.

وفي اليوم التالي، أرسل المهدي قائمة إلى البرلمان تضم ثمانية “8” مرشحين بما فيهم الفياض. ومرفق بتلك القائمة ردًا واضحًا على الصدر. حيث كتب المهدي، “من يعتقد أنه سيدفعني نحو الاستقالة فهو خاطئ”. وفي تعارض مع اعترافه السابق، ادعى “المهدي” أنه أعد قائمته الوزارية بدون تدخل – ومن بين القائمة “الفياض” – ومن ثم فإن هذا البيان كان بيان الاستقلالية.

وتحولت الجلسة البرلمانية التالية إلى مسرحية هزلية، إذ قاطع الصدر وحلفاؤه الجلسة البرلمانية في هذا اليوم، وبالتالي لم يكتمل النصاب القانوني للجلسة. وردد أعضاء البرلمان عن تحالف “سائرون” المدعوم من مقتدى الصدر قائلون “قرارنا عراقي” في إشارة إلى غيرهم، ممن تحركهم أجندات أجنبية.

وفي رد على الانتقادات الموجهة لعبد المهدي بأن إصراره على اختيار الفياض يعود إلى أسباب حزبية، ادعى العامري أن هذا القرار كان قرار عبد المهدي نفسه – وهو التأكيد الذي لا يتفق مع معظم المراقبين. وبعد يومين، خالف عبد المهدي تصريحات العامري (ونفسه) عندما أعلن أن ترشيح الفياض كان بطلب من قائمة العامري.

وحيث أن عبد المهدي قد أعلن أنه سيختار قائمته الوزارية الجديدة دون تدخل من أحد، فإن رفض القائمة كان له تداعياته السلبية على المهدي سياسيًا. غير أن الإعلان الآن عن أن الفياض كان مفروضًا على المهدي يشكل خروجًا للمهدي من هذا المأزق، لأن القرار صدر بموجب قرار محكمة بتاريخ “16” ديسمبر. وأعادت المحكمة الفياض إلى منصبه رئيسًا لوكالة الأمن الوطني والتي استقال منها هذا الصيف رئيس الوزراء السابق لعبد المهدي. ورغم ذلك، لم يتضح حتى الآن ما إذا كان الفياض وحلفاؤه سينسحبون من الترشح أم لا. ولهذا، مازالت المخاطر والصعوبات تحدق بعبد المهدي.

واستهل عبد المهدي عمله بيد مرتعشة، واستأنف عمله على أسوأ ما يكون، فهو لم يخالف نفسه فقط بشأن الترشيحات الوزارية، لكنه مزق علاقاته مع الصدر وعارض العامري علانية. ولتلك الأسباب جميعها، لم ينل شيئًا. وعلى الجانب الآخر، لم يعتاد العامري أو الصدر أن تجري الأمور معهما بتلك الطريقة.

وفي حالة عدم قدرة رئيس الوزراء عبد المهدي على استئناف عمله بطريقة تستدعي الاحترام والتقدير وتحوز رضاء الصدر، فعلى رئيس الوزراء مواجهة المزيد من المشكلات من أعضاء البرلمان غير المتعاونين بشكل متزايد، ناهيك عن الاحتجاجات التي أعلن البرلمان أنها ستدفع بالأمور نحو إشعال فتيل المظاهرات المناهضة للحكومة والمقرر لها الصيف المقبل.

AFP PHOTO