رئيس الوزراء العراقي يحقق أدنى الانتصارات ضد الميليشيات الشيعية

فيصل اليافعي

AFP Photo: Mohammed Sawaf

المرة الأخيرة التي حاول فيها رئيس الوزراء العراقي اعتقال أعضاء في الميليشيات الشيعية القوية المدعومة من إيران؛ شهدت إطلاق سراح هؤلاء في غضون أسبوع، لكن في أحدث المرات قام مصطفى الكاظمي باعتقال أحد هؤلاء القادة لأسبوعين؛ مما يعُد شبه انتصار كما يمكن تصوره بالنظر إلى حالة الضعف التي تواجه دولة العراق، وقد كان كان هناك حادثين بفاصل زمني 3 أيام في مايو الماضي؛ عملا على تهيئة الموقف لصيف سيشهد مواجهات بينما يتجه العراق لإجراء الانتخابات في أكتوبر، وقد بات هناك فريقين متنازعين؛ الميليشيات الشيعية صاحبة النفوذ والتي هزمت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الموصل أمام الاحتجاجات الشعبية المتواصلة والتي أطاحت سلفًا برئيس الوزراء.

وفي المنتصف يقف الكاظمي الذي مضى عليه عام كرئيس للوزراء، بما يكفي لتحميله مسؤولية أعمال العنف الناتجة عن مواجهة الميليشيات فضلًا عن الفشل في الاستجابة لمطالب المحتجين، ومعضلة الكاظمي لا تعُد الموازنة السياسية ومسألة تغليب جماعة على أخرى فحسب ؛ بل إنها معضلة وجودية لأن هناك نداءات قوية للمحتجين تطالب ببسط سيطرة الدولة على تلك الميليشيات.

ومع تصاعُد المخاطر فإن الانتصار السريع الذي حققه الكاظمي على الميليشيات يبدو لا قيمة له، وأنه بمثابة إشارة ظهرت بالكاد في غضون لحظة سياسية حاسمة، ورئاسة الوزراء التي توصف بالناجحة بسبب احتجاز قائد شبه عسكري لبضعة أيام تعد رئاسة وزراء بالإسم فقط.

وقد بدأت المواجهة عقب قيام قوات الأمن العراقية باعتقال قاسم مصلح قائد قوات الحشد الشعبي في الأنبار، وتعُد قوات الحشد الشعبي بمثابة كيان يشمل ما يقارب 40 ميليشيا غالبيتها مدعومة من إيران.

وفي اليوم التالي قامت قوات الحشد الشعبي بعرض عسكري لاستعراض القوة في شوارع بغداد، وحاصرت مقر مجلس الوزراء، وتصاعد التوتُر لكنه انتهى بانسحاب قوات الحشد الشعبي، لكن كانت هناك رسالة ضمنية موجهة للحكومة العراقية؛ مفادها أن الميليشيات لن تتسامح إزاء اعتقال أحد أفرادها.

وفي السابق كان استعراض القوة ذاك كفيل بإجبار الحكومة على التراجُع وإطلاق سراح مصلح، وقبل عام واحد وبعد فترة وجيزة من تولّي الكاظمي رئاسة الوزراء قام باعتقال 14 فردًا من كتائب حزب الله وهي ميليشيا مدعومة من إيران، وتكرر ذات الموقف: انتشرت الميليشيات المسلحة في شوارع بغداد وتم إطلاق سراح الموقوفين.

لكن تلك المرة ظل الكاظمي ثابتًا حتى الآن على الأقل، وربما يشعر الرجل أنه بات مفوضًا من الحركة الاحتجاجية بكسر نفوذ الميليشيات الشيعية إلى الأبد، أو أن الرجل يريد إرسال رسالة ضمنية وأنه سيقوم بإطلاق سراح مصلح خلال فترة وجيزة.

والحقيقة أن هناك حالة من الغموض المتعمد تحيط بأفعال الكاظمي، وعلى سبيل المثال فإن الرجل لم يفصح حتى اليوم عن نيته خوض انتخابات أكتوبر من عدمه، وتلك الحالة من الغموض تعني أن جماعات مثل الحشد الشعبي وداعميها داخل البرلمان العراقي باتت مترددة حيال اتخاذ إجراء ضد الكاظمي؛ خشية أن تخسر رصيدها السياسي في مواجهة شخص في طريقه للرحيل من رئاسة الوزراء، وذات الأمر ينطبق على المحتجين الذين لن يطالبوا علانية برحيل الكاظمي – وذلك لأن الرجل سيرحل في غضون بضعة أشهُر.

وهذا الغموض أعطى له قدرة على اختراق الظلال الرمادية للسياسة العراقية.

وأحد الأسباب التي سيقت لوقوف الكاظمي بوجه الميليشيات؛ تتمثّل في أن الكاظمي يدرك أنه لن يحقق النصر التام على قوات الحشد الشعبي، لكنه يريد احتجاز مصلح لفترة تكفي لإثبات أن الميليشيات لن تفلح في تخويفه، وتلك المسألة ستعطي للكاظمي بعض المصداقية لدى الناخبين، وحتى لدى المحتجين أنفسهم الذين ربما يعتقدون أن الكاظمي يعمل بإخلاص كي يتعقب قاتلي النشطاء، وربما تعزز تلك الخطوة من موقف الكاظمي المقبل على صيف من الاحتجاجات، وربما يستفيد الرجل باعتباره المرشح الذي يستطيع فرض القانون والنظام خلال الانتخابات المقرر لها الخريف القادم.

ولو بدا هذا التفسير وكأنه ذو صبغة تشاؤمية؛ يجب علينا أن نتذكر أن الكاظمي وعلى مدار عام من حكمه لم ينجح حتى اليوم في تحقيق نصر حاسم على الميليشيات ومن يدعمها في إيران، ولم يتم حتى اليوم فتح تحقيق في حوادث الاختطاف التي تعرّض لها المحتجين على يد مسلحين، وهو الوعد الذي قطعه الكاظمي على نفسه عقب تولّيه رئاسة الوزراء، ولم يصرح الكاظمي بأنه يريد رحيل القوات الأمريكية من العراق، كما أنه لم يعرب عن رغبته في إنهاء النفوذ الإيراني، وكان سعيدًا بزيارته لطهران بقدر سعادته بزيارة الرياض وواشنطن.

وسيرى البعض هذا الأمر على أنه نوع من التوازن الحذر للقوى تمامًا كما فعل الكاظمي مع كل من المحتجين والميليشيات، لكن هناك نقطة محددة في المسألتين يتعطل فيها الكاظمي عن القيام بهذا التوازن.

وربما يكن الكاظمي قد حقق انتصارًا ضئيلًا على الميليشيات، لكنه يعُد من أكثر الانتصارات هشاشة ومن الممكن أن يتحول إلى هزيمة في أية لحظة، وحتى الآن لم يتم توجيه الاتهام للقائد شبه العسكري ونحن ننتظر لنرى ماذا سيحدث في قاعة المحكمة، وإذا ما تمت إدانة مصلح سيكون هناك رد فعل عنيف من قوات الحشد الشعبي، وهذا النوع من المواجهة سيرغب الكاظمي في تأجيله إلى ما بعد الانتخابات.

لكن السير على حبل رفيع سيكون خيارًا جيدًا فقط في حالة إذا ما كانت لديك خطة للوصول إلى الجانب الآخر، والحذر الذي يبديه الكاظمي لن يفيد أحدًا: لن يفيد العائلات التي تريد أجوبة حول أبنائها وبناتها المفقودة، كما أنه لن يفيد المواطن العراقي الذي يريد أن يعيش في دولة تمتلك زمام أمرها.

وعوضًا عن مسألة التوازنات يبدو أن رئيس الوزراء يمارس لعبة الانتظار، وهو ما يعُد بمثابة فرصة للكاظمي كي يثبت أنه يحكم البلاد، لكنها فرصة مُعرضة للضياع.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.