العرض العراقي للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران هو مسألة بقاء وليست دبلوماسية

فيصل اليافعي

AFP Photo: HO / Iranian Presidency

بعد مضي شهر على الهجوم على ناقلات البترول الأربع قبالة شواطئ الإمارات العربية المتحدة في عملية وصفتها الإمارات الأسبوع الماضي بمجلس الأمن أنها “عملية معقدة ومنسقة” امتنعت الإمارات في جلسة مغلقة بنيو يورك عن لوم دولة بعينها ذاكرة فقط أن “جهات فاعلة غير تابعة لدولة” تقف خلف هذه العملية- رغم ربط المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الهجمات بإيران علنا.

وأدت هذه الهجمات إلى تفاقم التوتر في المنطقة على إثر قرار واشنطن إرسال سفن حربية إلى الخليج. وأصبح الوضع عصيبا بالنسبة للعراق الذي وجد نفسه محاصراً.

وقد عرضت الدولة مرارا التوسط بينهم وتجلى ذلك في كلمة الرئيس العراقي في القمة العربية الطارئة التي عقدت بالمملكة العربية السعودية كما أرسل وفودا الى واشنطن وطهران للتخفيف من حدة التوترات بيد أن الوساطة العراقية ليستمسألة دبلوماسية بقدر ما هي مسألة بقاء.

وفي الاجتماع الذي عقد في نهاية شهر مايو بالمملكة العربية السعودية امتنعت العراق عن تأييد البيان الختامي الذي أدان التدخل الإيراني في المنطقة.

وعانت العراق مرارا وتكرارا من عدم استقرار الأوضاع بسبب غزو الولايات المتحدة وحلفائها للبلاد في عام 2003 ، ومع ذلك فالولايات المتحدة هي التي أمدت العراق بالأموال والجنود لحماية الحكومة الناشئة. وتتبنى العراق -التي كانت قوة إقليمية وكانت على خلاف مع معظم جيرانها في ظل رئاسة صدام حسين-موقفا وسطا بين إيران ودول الخليج.

وتعتبر محاولة العراق للتوسط بين الأطراف محاولة لاكتساب بعضا من نفوذها السابق بيد أن موقف العراق المحوري عمليا يعني أنها لا تستطيع اتخاذ موقف مناوئا للسعودية أو إيران أو تركيا أو سوريا التي تشاركهم جميعا سواحل طويلة، مفتوحة وسهلة الاختراق. ويحظى هذا الموقف المتوازنبشعبية كبيرة لدى الناخبين العراقيين الذين خرج الآلاف منهم إلى شوارع العاصمة الشهر الماضي لحث الساسة على عدم الانجرار في النزاعات في المنطقة. وفي ظل حكومة جديدة ومع تحرر العراق من داعش والشروع في البناء والتنمية لا يرغب العراقيون في الدخول في نزاعات جديدة.

وسياسيا لن تنجو العراق من مغبة هذا النزاعفبعد فترة وجيزة من الغزو المدمر وتدمير داعش، يمكن للحرب المجاورة أن تبدد التوافق السياسي الهش بالعراق، وتعيد إشعال الفتنة الطائفية الخامدة في الوقت الحالي وتحول البلاد إلى ساحة معركة بالوكالة بين الولايات المتحدة وايران.

لم يكن وصول العراق لتجديد خلق الروح القومية طريقا مفروشا بالورودغير أنها نجحت في تخطي المرحلـة الصعبـة. فمن تداعيات غزو العراق في عام 2003 انتشار العنف الذي روج له الشيعة تجاه السنة، وقد أدى شعورهم بالظلم الذي وقع عليهم جراء فقدانهم هيبتهم على إثر سقوط نظام صدام إلى ترحيبهم بالمتطرفين بينهم.

وكان على الطرفين التعامل مع عواقب التطرف فقد نجحت السنة في عام 2007 في كبح جماح القاعدة في البلاد بينما قادت ميليشيات الشيعة الحرب ضد داعش في الموصل.

وسياسيا كان على المجموعتين إعادة حساباتهما في أعقاب السياسات الطائفية التي انتهجها نوري المالكي كرئيس للوزراء، وهو الأمر الذي استفاد منه في البداية المجتمع الشيعي ولكنه أضر في نهاية المطاف بالبلد بأسره وهو السبب الذي دفع مقتضى الصدر المرجع الشيعي الذي وقف للولايات المتحدة يوما لأن يرتدي رداء القومية. وفي بلد مثل العراق حيث تلتحم الطوائف بإحكام تكون النزعة الطائفية مدمرة.

فقد يؤجج نشوب الحرب في إيران تلك النزعات ويهمش الأصوات الداعية للوحدة الوطنية ويمنح امتيازات لطائفة دون الأخرى: وغالبية العراقيين مسلمين شيعة مثلهم مثل الإيرانيين.

وفي هذه الحالة سيكون اقناع الساسة بوضع المصلحة الوطنية في المقام الأول وعدم الانحياز لأي من الطرفين صعبا نظرا للعلاقات الوطيدة بين الميليشيات الشيعية في العراق وطهران.

وتواصل العديد من الميليشيات التي تدعمها إيران، والتي تشكل قوات الحشد الشعبي، الاحتفاظ بهويات منفصلة، على الرغم من استيعابها اسمياً في الجيش العراقي الرئيسي. ولا تربطهم ثمة علاقة صداقة مع الولايات المتحدة إذ هددت حركة حزب الله النجباء علنا الولايات المتحدة الشهر الماضي عقب إدراج وزارة الخارجية الأمريكية الحركة في قائمة المنظمات الإرهابية.

ومع ذلك، فإن دورها -ودور الميليشيات الأخرى في وحدة إدارة المشروع -سيكون حاسما في أي صراع. فأي هجمات تقوم بها هذه الميليشيات على أكثر من 5000 جندي أمريكي داخل العراق، أو على الجماعات العراقية التي تعارض سياستها ستدخل البلاد في دائرة مفرغة، كما حدث مرارًا وتكرارًا في فترة ما بعد الغزو.

ففي حالة نشوب هذا الصراع، فمن المؤكد ان الحكومة العراقية لن تقبل مهاجمة القوات الامريكية في البلاد، فمن ثم فإن عدم قدرة السياسيين على كبح جماح هذه الميليشيات سيضر ضررا بالغا بالقادة المنتخبين. ومن السهل التنبؤ أن الحد الأدنى من التصعيد سوف يترتب عليه عواقب وخيمة.

وينصب تفكير الجميع في بغداد على الإسراع من الحد في التصعيد في النزاع الأمريكي الإيراني إذ سوف يترتب على نشوب حرب طويلة في إيران آثارا مدمرة على العراق تفوق تلك التي أعقبت الحرب الاهلية الطويلة في سوريا-حتىمع وضع احتلال داعش الوحشي للبلدان والمدن الرئيسية في الاعتبار.

فمع الحرب الناشبة على حدودها الغربية لا يستطيع العراق تحمل حرب ثانية تهب من الشرق.