رئيس الوزراء العراقي الجديد يريد لبلاده أن تصبح مثل سنغافورة، لكن عليها التوقف عن محاكاة لبنان أولًا

فيصل اليافعي

IRAAFP Photo: Iraqi prime minister's press office

حكمة “في المرة الثالثة تنمو الجذور” هي الترجمة العامية العراقية لحكمة “المرة الثالثة هي المرة الساحرة”، وكذا فإن تلك الحكمة أثبتت أنها تنطبق على مرشحي رئاسة الوزراء، وقد كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي هو المرشح الثالث الذي قفز إلى الواجهة منذ عدة شهور، ولم ينجح أي من المرشحين الآخرين في تشكيل الحكومة، وقد كان تنصيب الكاظمي بمثابة أمر حاسم فيما يخص استقرار الدولة التي تشهد احتجاجات واسعة النطاق فضلًا عن مواجهة الوباء الذي اجتاح العالم. والآن وبنفس قدر أهمية تعيين الكاظمي – فقد بات للعراق رئيس وزراء يعتني بشؤونه لستة أشهر تقريبًا، وتأتي تلك الأحداث خلال شهر شهد اثنتين من التطورات المفاجئة، حيث بات تنصيب الكاظمي إلى حد ما أقل أهمية قياسًا على باقي التطورات.

ونجاح العراق في المستقبل؛ سيكون رهنًا بقدرته على التغلُب على هذين التطورين الآخرين وهما: دمج الميليشيات الشيعية الضخمة التابعة لقوات الحشد الشعبي في الجيش الوطني العراقي، وإعادة تشكيل مسألة المحاصصة، وهو النظام السياسي الطائفي الذي أدّى إلى انحراف مسار العراق خلال فترة ما بعد الحرب، وهاتين القضيتين ستحددان الوقت الذي سيقضيه الكاظمي في منصب رئيس الوزراء، كما أن قرارات الكاظمي سيتم تشكيلها أو ستسهم في تحديد مسار هاتين القضيتين.

وفيما يخص كلتا القضيتين فإن الأسابيع الأربعة الماضية كانت حاسمة، أولًا تعرّضت الميليشيات للتمزق حيث انشقّت 4 ميليشيات عن الحشد الشعبي الشهر الماضي وأعلنت أنها باتت تحت قيادة رئيس الوزراء، ثانيًا وبعدها بأيام قليلة دعا وزير الخارجية الأمريكي العراق إلى التخلي عن المحاصصة الطائفية، وهو المطلب الذي عبّر عنه المحتجون لشهور، وهو ما يعني أن القوة العظمى (واشنطن) تنأى بنفسها عن النظام الذي كانت أول من قام بفرضه على العراق.

وقد ظهر النظام السياسي الطائفي في العراق عقب الغزو الأمريكي في العام 2003، وعمد هذا النظام إلى توزيع النفوذ السياسي بين السُنّة والشيعة والأكراد، وظل هذا النظام قائمًا لمدة 17 عامًا، ولم يسفر إلا عن انقسام مستمر بين المجتمعات ومنح الامتيازات بناء على الهوية الاجتماعية بدلًا من الهوية القومية المبنية على مبدأ المواطنة.

وبالطبع لم يكن هذا الأمر يمثل مفاجأة لمن قاموا بوضع إطار تلك المنظومة، وكذا لم يكن مفاجأة لهؤلاء الذين اعتادوا على التعايش مع تلك المنظومة – حيث كان هناك نظام شبيه في لبنان تم تأسيسه منذ التوقيع على الميثاق الوطني اللبناني في العام 1943، وفي الشام أسفرت تلك المنظومة عن ذات المساوئ مثل الطائفية والفساد وفقدان الهوية الوطنية وفتح الباب على مصراعيه للتدخُل الأجنبي.

والواقع أن الاحتجاجات الضخمة التي اندلعت ضد النظام العراقي وضد الفساد المزمن الذي أسفر عنه هذا النظام والتي اندلعت في أكتوبر، نتج عنها الإطاحة برئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي في شهر ديسمبر، وعادت تلك الاحتجاجات في منتصف مايو بعد توقف دام لشهرين بسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)، وسيكون من الصعب السيطرة على تلك الاحتجاجات خاصة وأنها تحظى بدعم واشنطن وإن كان ذلك بصورة ضمنية.

وخلال الصراع السياسي الذي جرى الشهر الماضي قبل نجاح الكاظمي في تشكيل الحكومة؛ أبدى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الاعتراض بصورة معتدلة وإن كانت واضحة، قائلًا إن “على القادة العراقيين التخلي عن نظام المحاصصة الطائفية والوصول لتسويات تؤدي إلى تشكيل الحكومة”.

وتلك التصريحات – المقصودة دون شك – كانت تنطوي على غموض، فقد عبّرت عن دعم مطلب من مطالب المحتجين، دون التعبير عن دعم المحتجين بشكل صريح، وفي هذا الإطار فقد تحدثت تلك التصريحات عن إضعاف منظومة المحاصصة الطائفية على النموذج العراقي دون الحديث عن التخلص من تلك المنظومة بشكل نهائي.

وتصريحات بومبيو تعُد المرة الأولى التي تعترف فيها الولايات المتحدة علانية بالتخلي عن المنظومة التي وضعتها بنفسها، والإعلان عن رغبة واشنطن في دعم الإصلاحات على نطاق واسع، وتتمثّل الأولوية بالنسبة للكاظمي اليوم في التحقق من تلك الرغبة الأمريكية.

والواقع أن لحظة انهيار ميليشيات الحشد الشعبي أيضًا هي لحظة حاسمة، ومسألة كيفية التعامل مع 40 ميليشيا تابعة للحشد الشعبي تعُد مشكلة مزمنة بالنسبة للقادة العراقيين منذ العام 2017، وتحديدًا منذ هزيمة تنظيم داعش في الموصل بشكل نهائي، والكثير من تلك الميليشيات تم تأسيسها عبر إنفاق الأموال بسخاء، كما أنها مدعومة من إيران وتمارس نفوذها على الساحة السياسية العراقية، وقد حاول رؤساء الوزراء المتعاقبين أعادة تنظيم تلك الميليشيات أو دمجها في الجيش الوطني، وقبل أقل من عام قام رئيس الوزراء حينها عادل عبد المهدي بإعطاء الميليشيات مهلة مدتها 30 يومًا للاندماج في الجيش الوطني، وهي المهلة التي انقضت دون أن تسفر عن أية نتائج.

لذا فإن قرار الميليشيات الأربعة في إبريل بالانشقاق عن الحشد الشعبي والانضواء تحت إمرة رئيس الوزراء كان قرارًا منطقيًا، وذلك لأن الميليشيات الأربعة كانت تدين بالولاء لأكبر مرجعية شيعية في العراق وهو آية الله على السيستاني، وفي المقام الأول فإن نداء السيستاني في العام 2014 للعراقيين من أجل قتال داعش هو من أدّى إلى التطورات التي شهدها الحشد الشعبي، وانشقاق تلك الميليشيات يعني أن السيستاني قد ضاق ذرعًا بالميليشيات الشيعية التي تعمل خارج نطاق السيطرة السياسية، وأن الرجُل يرغب في استخدام نفوذه لوضع تلك الميليشيات تحت سيطرة الدولة، وهذا هو الأمر الثاني الذي يجب على الكاظمي التحقُق منه، فلو أن هناك فرصة للحصول على دعم المرجعية الشيعية لإصلاح الحشد الشعبي، يجب على رئيس الوزراء استغلالها.

وقد حدث تطورين هامين في غضون أسابيع، ولا يوجد تطور منفرد منهما قادر على تغيير العراق، لكنهما يعتبرا علامة على الرغبة في التغيير بالنسبة لأقوى تكتلين: النخبة في واشنطن ومؤسسة المرجعية الدينية في النجف، وبات على الكاظمي الذي يمسك بمقاليد القوة الآن الاستفادة من رغبة التغيير تلك.

وإنجاز هذا الأمر يستدعي تحركًا حاسمًا وليس مجرد تغيير يتم بشكل تدريجي، والواقع أن مسألة تغيير النظام الطائفي وإضعاف الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة بصورة تدريجية قد أثبتت فشلها، ولو أن هناك شكوكًا تساور الكاظمي فما عليه سوى النظر إلى لبنان، حيث توجد ميليشيا خارجة عن سيطرة الدولة وهي حزب الله تتمتع بالقوة أكثر من الجيش الوطني، كما أن الساسة هناك لا زالوا غارقين في التفكير بصورة طائفية، ولا يعُد هذا النظام نموذجًا جيدًا في الحكم بالنسبة لعراق المستقبل.

وكما يقول الكاظمي فإن النظام المُفضّل لديه هو المُطبّق في سنغافورة، ويحتفظ رئيس الوزراء الجديد في مكتبه ببغداد بصورة أول رئيس وزراء للدولة الأكثر تطورًا، وإذا ما كان العراق يريد أن يكون مثل سنغافورة عليه التوقف عن التصرف مثل لبنان، وهذا يعني اتخاذ قرارات متوازنة وبعيدة المدى، والاستفادة مما حدث خلال الشهر الحالي، كما أن إصلاح نظام المحاصصة بات أمرًا ضروريًا، والواقع أن تلك الطريقة هي الوحيدة القادرة على الخروج بالعراق إلى بر الأمان.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.