رئيس الوزراء العراقي الجديد تم تنصيبه ليفشل

فيصل اليافعي

AFP photo: Ahmad Al Rubaye

بات للعراق رئيس وزراء جديد لكن المشكلات القديمة لازالت قائمة، وقد تم تنصيب محمد علاوي رئيسًا للوزراء في الأول من فبراير، ليحل محل عادل عبد المهدي الذي أُجبِر على الاستقالة في نوفمبر الماضي بعد أن شهد العراق احتجاجات شعبية ضخمة، لكن الآن يوجد تحديين أساسيين ومترابطين وواضحين: هل يستطيع رئيس الوزراء الجديد إيجاد وسيلة لإقناع المحتجين بالعودة إلى ديارهم، وفي ذات الوقت تسمح ببقاء القوات الأمريكية في العراق؟.

وهذين التحديين سيحددان وضع علاوي كرئيس للوزراء، ولو أنه فشل في مواجهتهما فسيتعين عليه الاستقالة ربما في غضون أسابيع. والآن وعلى طريقة الدراما اليونانية، تم تكليف علاوي بوظيفة هو لا يملك الأدوات اللازمة لتنفيذها، أما وقد بات مُحاصرًا بين المتظاهرين من جهة والأحزاب السياسية من جهة أخرى، فقد يبدو انه تم تنصيب رئيس الوزراء الجديد ليفشل.

وعلاوي يواجه العجز بالفعل لأنه أصبح وكيلًا عن الحاكم، ومهمته الرئيسية تتمثّل في بسط الاستقرار حتى تتم الدعوة لانتخابات جديدة.

لكن تلك الانتخابات الجديدة لا يمكن الدعوة لها إلا بعد عودة الاستقرار، وهو ما يعني أن الحركة الاحتجاجية يجب إخمادها. إلا ان الحركة الاحتجاجية سوف تستمر إذا لم يتم القيام بإصلاحات. وفي ظل غياب قوة سياسية فإنه لا يمكن تنفيذ تلك الإصلاحات. ولأن علاوي يعُد بمثابة رئيس الوزراء بالوكالة فهو لا يملك النفوذ السياسي اللازم للقيام بتلك الإصلاحات، لذا فقد بات الحل الوحيد أمامه للحصول على النفوذ السياسي، هو الفوز بتلك الانتخابات الجديدة.

وتلك المهمة المستحيلة – التي تعُد بمثابة كوميديا سوداء – تعني أن الدائرة السياسية باتت الحاكم الفعلي للعراق اليوم، والأمر ليس مقصورًا على علاوي، فأي رئيس وزراء آخر سيجد نفسه مُحاصرًا بين المحتجين والأحزاب السياسية، كما سيكون مُحاصرًا من جهة أخرى بالأمريكيين من جهة والإيرانيين من الجهة الأخرى لكن دون الحصول على القوة اللازمة لمواجهة واشنطن أو طهران.

وإلى حد بعيد يحاول رئيس الوزراء الجديد إيجاد وسيلة للخروج من تلك المعضلة، عبر تاييد المحتجين في مواجهة الأحزاب السياسية، وفي أول خطاب له تعهّد بحماية المحتجين والوقوف بوجه التدخلات الخارجية، وهو تلميح إلى القوات الأمريكية لكنه في الواقع يعني إيران، وقال إنه لن يسمح لمراكز القوى باختيار الوزراء في الحكومة الجديدة. ويتعين ان تلقى تلك التعهدات استحسانًا من المحتجين الذين يتظاهرون منذ الخريف الماضي.

وعبر وقوفه مع المحتجين فإنه يأمل في أن يصبح ممثلًا لهم، وأن يجبر البرلمان الذي وصل إلى طريق مسدود على قبول اختياراته الخاصة بالوزراء الجدد، وهذا الخطاب لم ينطلي على المحتجين، حيث انتشرت اللافتات والهتافات ضد رئيس الوزراء الجديد بعد ساعات من تنصيبه.

والسبب في ذلك يعود بشكل جزئي إلى أن علاوي ذاته لديه معضلة، وهي أن الحركة الاحتجاجية تتسم بعدم التجانس، وهي منقسمة بشدة بين الشباب الصغار والجماعات القومية والتقدمية، التي تتظاهر ضد نظام سياسي فشل في أن يجلب الأمن والرخاء للشعب العراقي. وهناك جماعة أخرى موالية للشيخ الأصولي مقتدى الصدر، الذي لديه أهداف سياسية ليست بالضخمة، لكنه نجح في إضفاء الثقل التنظيمي وتوفير الحماية ضد قوات الأمن التي تريد القضاء على الاحتجاجات.

وعلاوي يعُد شريكًا في كتلة سائرون، وهي كتلة برلمانية يقودها الصدر، وقد أعلن الصدر عن دعم علاوي، مما جعل العديد من المحتجين يتشككون في احتمال أن علاوي لم يأتي بأفكار خاصة به، وأنه مجرد وجه جديد.

وعبر وقوفه قلبًا وقالبًا مع المحتجين، فإنه ربما يحاول أن يتجنب الانتقادات التي من الممكن أن توجه له بالقرب الشديد من الأحزاب السياسية، لكن هذا الأمر ينطوي على مخاطرة: ربما يحاول الرجل إبعاد البرلمان الذي سيكون معنيًا بإفشاله، وهو يعلم أنه لا يستطيع إجبار البرلمان على قبول اختياراته الخاصة بالوزراء، وأن المحتجين في الشارع سيلقون باللوم عليه إذا لم تحدث أية تغييرات.

وإذا لم ينجح علاوي في السيطرة على الاحتجاجات، ستقل فرصته في معالجة الجزء الثاني، وهو الإبقاء على القوات الأمريكية في العراق.

وقد أسفرت عملية مقتل القائد الإيراني قاسم سليماني عن أمرين، أولهما وجع الرأس، كما كانت بمثابة فرصة للقادة العراقيين، وقد أضعفت تلك العملية من قوة الميليشيات الشيعية التي تعمل في العراق عبر التخلص من سليماني الذي كان يعتبر مرشدًا لتلك الميليشيات، لكن مقتل سليماني أيضًا أدى إلى حالة انتعاش للمحتجين وأيضًا لأعضاء البرلمان العراقي الموالين لإيران والذين قاموا بالتصويت على قرار بطرد القوات الأمريكية من العراق.

وقد أدى كل ذلك إلى أن أصبح رئيس الوزراء الجديد في موقف حرج. فالقيام بسحب خمسة آلاف جندي أمريكي من العراق بشكل مفاجئ سيؤدي إلى مشكلات للحكومة الجديدة، ولن تقتصر تلك المشاكل على الدخول في أزمة اقتصادية، فقد هددت إدارة ترامب بأن رحيل القوات الأمريكية من العراق يعني توقف واشنطن عن دعم بغداد عسكريًا.

والواقع أنه من غير المرجح مغادرة القوات الأمريكية للعراق بشكل كامل، وحتى في أسوأ الظروف لو تم ذلك فإن الحكومة العراقية وواشنطن ستعملان على إعادة صياغة تلك العملية “بشكل طويل المدى”.

وبالنسبة لعلاوي فإن تفادي هذا الأمر يعُد أساسيًا من أجل الاستمرار في منصبه والوصول بالبلاد إلى إجراء انتخابات جديدة، لكنه ربما يتعثر في الطريق، وذلك ربما يعود إلى أن جناحي الحركة الاحتجاجية قد وجدا أرضية مشتركة تتعلق بطرد القوات الأمريكية من العراق، أو ربما لأن هناك حدثًا مجهولًا في طريقه لأن يصبح حقيقة.

والواقع أن الاحتجاجات التي اندلعت في الخريف الماضي، والاقتحام المفاجئ للسفارة الأمريكية في بغداد، وعملية مقتل سليماني بشكل مفاجئ، كانت عبارة عن أحداث غير متوقعة لها تداعيات سياسية فورية وقوية للغاية، وربما يكون هناك في المستقبل المنظور المزيد من تلك التداعيات.

ومن ثم فإن الوقت ليس في صالح رئيس الوزراء الجديد.

وهذين هما التحديين الذين يواجهان رئيس الوزراء الجديد، وبعد مرور أقل من أسبوع على توليه المنصب فإن الإشارات ليست جيدة فيما يخص قدرة علاوي على مواجهة تلك التحديات. وقد تم إجبار رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي في النهاية على الاستقالة لأنه لم يكن لديه الكثير من الداعمين، كما أنه لا المحتجين ولا الأحزاب السياسية اهتمت لأمر عادل عبد المهدي، ولم يكن الرجل قريبًا من الأمريكان أو الإيرانيين.

وفي نظام سياسي يعاني من ورطة، فإن الإمساك بالعصا من المنتصف سيكون بمثابة وصفة سريعة للفشل، ولكن الآن لا يبدو أن هناك المزيد من الخيارات أمام رئيس الوزراء الجديد.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان وبي بي سيوعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.