رئيس الوزراء العراقي الجديد يتعهّد بسحق الميليشيات الموالية لإيران، لذا ما السر وراء صمت طهران؟

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Iraqi Parliament handout

تولّى مصطفى الكاظمي منصب رئيس وزراء العراق دون أية اعتراضات من إيران وهذا أمر يبعث على الدهشة، وهناك سبب محتمل وهو حاجة إيران إلى المال، إلى الحد الذي وصل بها إلى طلب قرض تبلُغ قيمته 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي. ومن بين الدول التي تسيطر عليها إيران؛ فإن العراق يعُد الدولة الوحيدة التي تمتلك عائدات ثابتة وضخمة من بيع النفط، كما أن إيران مدينة للعراق بما قيمته 3 مليارات دولار في صورة فواتير كهرباء.

أما وسائل الإعلام الإيرانية فقد كانت لها طريقتها الخاصة في تصدير صورة إيجابية حول الكاظمي كرئيس للوزراء، وأذاعت تلك الوسائل بصورة روتينية المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الإيراني حسن روحاني لتهنئة الكاظمي، حتى أن المنابر الإعلامية الإيرانية قدّمت تفسيرًا مثيرًا للسخرية حول اختفاء صورة ضخمة للواء الإيراني الراحل قاسم سليماني ومساعده الضابط العراقي الجنسية أبو مهدي المهندس، وكانت الصورة قد وقعت بعد وضعها على الطريق بين بغداد ومطار المدينة (ادّعت وسائل الإعلام الإيرانية أن الصورة سقطت جراء هبوب رياح شديدة).

لكن وعلى الرغم من القصص الإيجابية التي نسجتها وسائل الإعلام الإيرانية حول الكاظمي، فإن الرجُل قد تحدّث بوضوح وبما لا يروق لطهران، وجاءت تصريحات رئيس الوزراء العراقي خطاب حلف اليمين، وفي المقال المنشور مؤخرا في إحدى الصحف اليومية العراقية، وتعهّد خلاله الكاظمي بجعل هدف حل الميليشيات المتواجدة على أرض العراق أولوية مطلقة خلال فترة تولّيه المنصب.

وكتب الكاظمي قائلًا: “سيادتنا تُنتهك، وأراضينا باتت مسرحًا “لدول” أخرى تسعى لتحقيق أهداف معينة، وأمن مواطنينا بات مُهدّدًا، ليس فقط بسبب تنظيم داعش والخلايا النائمة التابعة له، وإنما أيضًا بسبب وجود السلاح في أيدي جهات لا تنتمي للحكومة العراقية”.

وفي إشارة على تصميم الكاظمي على حل تلك الميليشيات؛ فقد أمر القوات الحكومية بالهجوم على مبنى انطلقت منه رصاصات أودت بحياة متظاهر في البصرة، وأسفرت العملية عن القبض على بعض عناصر تلك الميليشيات وتقديمهم للمحاكمة.

وتلك الحملة على الميليشيات المتواجدة على الأراضي العراقية، لا تعُد الورقة الوحيدة التي يملكها رئيس الوزراء الجديد لمواجهة الجماعات الموالية لإيران والمعروفة باسم “الحشد الشعبي”، وقال الكاظمي إن ثاني أهدافه بعد تمرير قانون جديد للانتخابات يتمثّل في تنظيم عمل الأحزاب السياسية، وفي القلب من تلك العملية قال الكاظمي أن هناك قوانين جديدة ستصدر تمنع على الهيئات السياسية العراقية التعبير عن ولائها لأية جهة غير عراقية.

ومثل هذا القانون سيكون متناقضًا مع الإسلام السياسي، والذي غالبًا ما تتلّقى المجموعات الإرهابية التابعة له تمويلات، وتقوم بتجنيد أعضاء جدد والدعاية لتلك التنظيمات عبر شبكات عابرة للحدود، وهذا يعني أن خطة الكاظمي لا تقتصر على حل الجماعات المسلحة التي تمثل الأحزاب الموالية لإيران، بل ستشمل تعقُب مصادر تمويل العديد من الجماعات العراقية التي تدين بالولاء للمرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.

وبينما ستحاول تلك الأحزاب والميليشيات التابعة لها الوقوف بوجه الكاظمي؛ فإن رئيس الوزراء العراقي يحاول استثمار الغضب الشعبي ضد إيران ومراكز القوى التابعة لها في العراق، وكان المحتجون العراقيون قد أضرموا النار في القنصلية الإيرانية الواقعة جنوبي البلاد، وقاموا بإزالة وإشعال النار في صور القادة الإيرانيين التي كانت يومًا ما تزين الشوارع والساحات في العراق، ومن الواضح أن هناك حالة عامة من الغضب في الشارع العراقي ضد إيران.

وبغرض استمالة المحتجين، أصدر الكاظمي قرارًا بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ووعد بأن تقوم القوات الحكومية بحماية المحتجين في الشوارع خلال أية فعالية، وتعهّد أيضًا بأن تقوم السلطات بفتح تحقيقات حول مسألة اختفاء النشطاء، وأن الحكومة لن تسمح مُطلقًا بالهجوم على الإعلام أو حرية الرأي.

والأهم بالنسبة للمحتجين هو أن الكاظمي يخطط لشن حملة لمكافحة الفساد والقضاء على البيروقراطية التي تعُد الأضخم على مستوى العالم.

وهناك أيضًا الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية التي تقف بجانب الكاظمي، وقد تعهّدت واشنطن بدعم الكاظمي على عدة مستويات، بما فيها القضايا التقنية والسياسية، وقد قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الفور بالسماح للحكومة العراقية الجديدة باستئناف استيراد الطاقة من إيران، إلى أن يتمكن العراق من الحصول على التجهيزات التي تسمح له بالوصول للاكتفاء الذاتي.

وحتى الآن فإن رئيس الوزراء العراقي الجديد يبدو رائعًا بصورة لا تُصدّق، كما أن التنازلات الإيرانية أتت بصورة سهلة تبعث على الريبة، لكن طهران معروف عنها أنها لا تسقط دون قتال، وربما تعتقد إيران أن الوقت ليس مُلائمًا لفقدان المصدر الأخير للعملة الصعبة، وربما تنحني طهران للعاصفة حتى يحين الوقت المناسب للعودة مجددًا وتعطيل الكاظمي عن إدارة شئون العراق.

وعلى أي حال فإن الكاظمي هو أول رئيس وزراء عراقي لا يعمل تحت إمرة إيران، وهي الحقيقة التي جعلت واشنطن تشعر بتفاؤل شديد، ويمكن للرجل أن يكون في النهاية الحصان الذي يمكن للولايات المتحدة المراهنة عليه، وحينئذ سيحصل العراقيون على الكثير من المنافع بعد أن تفقد إمبراطورية الميليشيات السيطرة عليهم، ويمكن لهم جني المكاسب في النهاية بعد عودة التفاعل بين العراق والاقتصاد العالمي.

 

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” لندن.