مع اقتراب موعد تشكيل حكومة جديدة في العراق، لم تناقش التحالفات جيدًا مسألة الإصلاحات الاقتصادية أو التحرر من تدخل الميليشيات

كيرك ه. سوويل

إن الانتصار غير المتوقع للائتلاف الذي يدعمه “مقتدى الصدر” في الانتخابات البرلمانية العراقية سيجعل من المفاوضات الخاصة بتشكيل الحكومة المقبلة عملية معقدة. إن الإدارة المقبلة لن تختلف جذرياعن تلك المنتهية ولايتها، لكنه وفي ظل إخفاق رئيس الوزارة “حيدر العبادي” في تحقيق الأكثرية البرلمانية المتوقعة، سيكون ثم تحول في ميزان السلطة. وعلى الصعيد السياسي، سيصبح رسم السياسات الاقتصادية أمرًا غير مجدي بصورة كبيرة، وقد يكون لزمرة الميليشيات العراقية تأثيرًا أكبر داخل الحكومة.

ولمعرفة كيف يتشكل المشهد بأكمله، يتعين على الواحد منا تحليل العمليات الرياضية الفوضوية لنتائج الانتخابات. أو بمعنى آخر، حصدت كتلة الصدر “54” مقعدًا مقابل “47” مقعد لتحالف “الفتح” الموالي لإيران والذي يترأسه الأمين العام لمنظمة بدر، هادى العامري، في الوقت الذي حصد فيه تحالف “النصر” الذي أسسه حيدر العبادي “42” مقعدًا. وينبثق تحالفي “النصر” و”الفتح” من ائتلاف “دولة القانون” الذي يترأسه رئيس الوزراء الأسبق “نور المالكي” (وحصدت الفصائل التي ما زالت موالية للمالكي “26” مقعدًا). وحصد عمار الحكيم، الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي “19” مقعدًا عن طريق حزبه الجديد “تيار الحكمة”. ولم يحصد بقية أعضاء المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الذي يتبع ائتلاف “الفتح” الذي يترأسه العامري ” إلا على مقعدين فقط. ورغم ذلك، تجدر الإشارة على وجه الخصوص إلى حصد الجناح السياسي للميليشيا المتعصبة “عصائب أهل الحق” ثلث مقاعد ائتلاف “الفتح” البالغة “47” مقعدًا، بعد أن كان تمثيلها في البرلمان سابقًا تمثيلاً فرديًا.

ولم تكن النتائج قد أُعلنت عندما بدأ التحالف مفاوضاته. وكان أول تلك المفاوضات ذلك الاجتماع الذي جمع الصدر مع الحكيم، وبعدها أعلن الاثنان عن أنهما بحثا مسالة الحكومة الجديدة. وفي وقت لاحق، التقى الصدر مع العبادي، وأعلن الاثنان أيضًا عن أنهما بحثا مسالة الحكومة الجديدة. ولم يُذكر أي ائتلاف رسمي بين الأطراف الثلاثة. ورغم ذلك، أشار الحكيم إلى أن الائتلاف المزمع تكوينه سيشكل الكتلة الأكبر في البرلمان. ومن جانبه، أفصح العبادي عن اتفاق “شبه كامل” مع الصدر بشأن الحكومة المقبلة، رغم أن مطلب الصدر بأن يغادر العبادي حزب الدعوة الإسلامي قد يظل مشكلة.

وليس هناك مفاجأة فيما سبق. فلقد كان العبادي والصدر والحكيم مصطفين إلى حد ما في المعسكر الشيعي منذ العام 2014، باستثناء الخلافات العارضة. وبحصول الثلاثة على “115” مقعد من أصل “329” مقعد، تكون لديهم الأغلبية الواضحة. فإذا تمكنوا من الاتحاد معًا، فإن إعادة انتخاب العبادي تكون مسألة وقت لا أكثر، لأن الأحزاب الصغيرة ستقبل بالوزارات نظير الحصول على أصواتها.

هناك محور العامري المالكي الموالي لإيران، وهي المجموعة الشيعية الأخرى البارزة، والتي تضم ائتلاف “الفتح” وائتلاف “دولة القانون”. غير أن مقاعدها الـ”73″ أقل بكثير من المقاعد اللازمة لانتزاع منصب رئيس الوزراء المقبل. (ورغم ذلك، من المحتمل أن يندمج ائتلاف “الفتح” في الحكومة المقبلة بسبب ارتباطه بالميليشيات، وقد يثير العامري الكثير من المشكلات خارج الإدارة.) ومع الاهتمام الكبير الذي حظيت به زيارة قائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني” وجهوده في تكوين تحالف موالي لإيران مع الحزبين الكرديين الرئيسيين، نجد أن عدد مقاعدهما لا يجدي نفعًا أيضًا.

وتشكل المجموعة الرئيسية الثالثة مجموعة غير مترابطة من الفصائل السنية. وطالب نائب رئيس الجمهورية ورئيس تحالف “القرار العراقي السيد/ أسامة النجيفي، المجموعات العربية السنية بالاتحاد. غير أن تحالف “القرار العراقي” لم يحصد سوى “15” مقعدًا. وفي حين أن فصيل النجيفي كان الفصيل السني الأكبر في محافظة “نينوي” على مدار عقد من الزمن، إلا أنه فقد قوته في السنوات الأخيرة. في آخر استطلاعات للرأي، تفوقت قائمة العبادي بحصولها على أكثر من “160.000” صوت، وجاء تحالف “القرار العراقي” في المركز السابع بحصوله على أقل من “68.000” صوت.وخرجت الفصائل العربية السنية من الانتخابات أكثر انقسامًا، ولن يشغل الفجوة في ائتلاف العبادي والصدر والحكيم سوى بعض من تلك الفصائل العربية السنية على الأقل.

وفي النهاية، رغم أن تنامي نفوذ الصدر وقوته أصبح أمرًا واضحًا، إلا أنه في حقيقة الأمر أصبح محاصرًا، حيث أيد العبادي صراحة قبل الانتخابات ليتولى ولاية ثانية، متوقعًا كغيره أن يكون الفوز من نصيب العبادي. ولكن الآن وفي ظل النتائج التي اختلفت كليًا من النتائج المتوقعة، ولو كان الصدر قد حاول ترشيح أي شخص آخر، ما كانت الفصائل الشيعية قبلت بهذا المرشح، ألا وهو العبادي لكي يكون حصنًا منيعًا ضد العامري والمالكي.

وهكذا، وفي نهاية المطاف، يجب أن يظل العبادي رئيسًا للوزراء طالما أن علاقته مع الصدر ممتدة. غير أن الأمر ليس بتلك السهولة، ومن المحتمل أن تكون الفترة من 2018-2022 بالنسبة لعملية الإصلاح الاقتصادي هي فترة الوقت الضائع. تظل أهداف الصدر والعبادي متناقضة بشأن جهود تقليص الدعم أو كبح جماح القطاع العام، حيث تستحوذ الأجور على الجزء الأكبر من إيرادات الدولة من النفط. ورغم أن الصدر تحدث عن دور القانون، إلا أنه أبقى على المليشيات بكامل قواتها. وفي نهاية الأمر، أدى فشل العبادي في الانتخابات إلى تقليص نفوذه بدرجة كبيرة، وستكون الأربع سنوات المقبلة رحلة صعبة.

AFP PHOTO / SHWAN MOHAMMED