“اقتصاد المقاومة” الإيراني لم يفلح في السابق، ولن يفلح اليوم

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Khamenei.IR

قام أصدقاء النظام الإيراني بمضاعفة جهودهم لإقناع جو بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع طهران، لكن مشكلة هؤلاء ليست مع الرئيس الأمريكي الذي قال وفعل جميع الأفعال “الجيدة”؛ مثل تخفيف الشروط التي أجبرت كل من كوريا الجنوبية والعراق على تجميد الأصول الإيرانية لدى الدولتين، وكذا قبول بايدن الدعوة الأوربية للدخول في محادثات مع طهران، ومُعضلة أصدقاء إيران تتمثّل في المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي؛ الذي لديه قناعة مُطلقة بمسألة الاكتفاء الذاتي على اعتبار أنه السبيل الوحيد لتحصين البلاد من آثار العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

وخلال الخطاب الذي ألقاه بمناسبة العام الإيراني الجديد؛ دعا خامنئي الشعب الإيراني إلى التركيز على الإنتاج الاقتصادي وأن “يتأقلم الشعب مع العقوبات ويعتبرها باقية”، وبمعنى آخر فإن خامنئي يريد من الشعب الإيراني أن يفترض أن لا عودة للاتفاق النووي، وأضاف خامنئي إنه “يجب أن نضع خططًا اقتصادية في ظل العقوبات”.

وقدّم خامنئي في البداية مقترح دعاه “اقتصاد المقاومة” في العام 2007، وبعدها بعشرة أعوام؛ وبعد عام واحد من التوقيع على الاتفاق النووي ورفع العقوبات الأمريكية على طهران؛ أعلن المرشد الإيراني أن العام 2017 سيكون “عام اقتصاد المقاومة والإنتاج والتوظيف”.

ومبعث ذلك هو أن خامنئي وعلى الرغم من موافقته على الاتفاق النووي؛ فقد حذّر أيضًا من “خداع الغرب” وتنبّأ بهبوط الاقتصاد الإيراني، وقد كان خامنئي على خطأ، وذلك لأنه على الرغم من أن الاتفاق النووي لم يؤدي إلى الازدهار الاقتصادي في إيران إلا أن الاقتصاد قد شهد استقرارًا، وتحقيق أي نوع من الرخاء يستلزم جذب الاستثمارات الأجنبية، لكن الفساد والبيروقراطية سيئة السمعة كانا كفيلين بمنع المستثمرين المُحتملين من القدوم إلى إيران، ناهيك عن مخاوف المستثمرين من حالة عدم الاستقرار في الداخل الإيراني والعقوبات المستقبلية التي قد تطال البلاد.

واليوم وفي ظل جميع التحذيرات التي أطلقها خامنئي حول خداع الغرب؛ فقد حاولت الدول الغربية مساعدة إيران على جذب الاستثمارات، وأحدث تلك المحاولات كانت في شهر يناير الماضي؛ حين قامت “مجموعة الأزمات الدولية” بإصدار بيان يدعو الحكومات الأوربية إلى توفير ائتمانات ضريبية للشركات التي تنوي الاستثمار في إيران، وقد استجاب الاتحاد الأوربي للنداء بصورة تامة وقام في شهر مارس بعقد مؤتمر يضم المستثمرين المُحتملين، وبذلك يكون الغرب قد فعل ما هو أكثر من رفع العقوبات؛ وهو المطلب الذي تُلِحّ إيران من أجل تنفيذه، ولا زال خامنئي غير مقتنعًا حتى الآن برغم تلك الخطوات.

وحينما قام دونالد ترمب بإعادة فرض العقوبات على طهران في العام 2018 تدهور الاقتصاد الإيراني، وكل من الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف يتبنّى وجهة نظر مؤداها أنه إذا ما تم رفع العقوبات مجددًا (على افتراض تعاون إيران فيما يخص الاتفاق النووي)؛ فإن هذا الأمر سيعمل على منع انهيار الاقتصاد الإيراني، وعلى أي حال فإن خامنئي لديه وجهات نظر مختلفة، فهو يرى أن انسحاب ترمب من الاتفاق النووي كان دليلًا قاطعًا على صدق تحذيراته: وأهمها أن أمريكا تتعامل بوجهين، وأن التعامل مع الغرب لن يجلب الرخاء للإيرانيين، وأن الاكتفاء الذاتي – واقتصاد المقاومة – هما الطريق الوحيد لإخراج الاقتصاد الإيراني من عثرته.

ومن خلال كتاب “الشاه الأخير” الذي ألّفه “راي تقية” وهو زميل بارز بمجلس العلاقات الخارجية؛ ذكر المؤلف أنه منذ سيطرة رجال الدين على الحكم في العام 1979 لم يتفقوا على سياسة اقتصادية محددة، وبينما يدعم رجال الدين المتطرفين الملكية الخاصة والتجارة فإنهم يخشون من أن الاعتماد على الصادرات والدائنين الأجانب سوف يقوّض من استقلال طهران، ويضيف “تقية” أن وجهة نظر هؤلاء مؤداها أنه “إذا ما انخرطت إيران في الاقتصاد الدولي ستكون أقل قُدرة على تحدّي الدول الغربية”، مما حدا بأصحاب التيار اليميني إلى الدعوة إلى “تنمية الأسواق الداخلية في إيران وتحسين العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة مثل العراق وأفغانستان.

لكن معضلة الاكتفاء الذاتي اقتصاديًا تكمن في أن تلك المنظومة أثبتت فشلها أينما تم العمل بها، وأبرز حالات الفشل تلك تتمثّل في الاتحاد السوفيتي السابق، وهناك نماذج شيوعية أخرى مثل الصين أثمرت عن نتائج واعدة لكنها لم تصل إلى حد الاكتفاء الذاتي، وعلى الرغم من حجم الاقتصاد الصيني إلا أن بيجين تضع ضوابط لرأس المال، فحينما تعمل على التخفيف من تلك الضوابط فإنها تواجه مشكلات هروب رأس المال وانخفاض قيمة العملة بصورة غير مُخطّط لها.

والأمر الذي يبدو وكأن روسيا وإيران لم تكتشفانه حتى الآن؛ هو أنه كي تجعل الاقتصاد قويًا فأنت تحتاج لثلاثة أشياء: الاستقلال والقدرة على التنبؤ وسيادة القانون، تلك هي العناصر الأساسية التي تعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحسين النمو الاقتصادي، والمنافسة في السوق تجعل المنتجات الوطنية أكثر جودة، بينما المناطق الاقتصادية المغلقة كمثل تلك التي يدعو لها خامنئي؛ تؤدي إلى ظهور احتكارات لإنتاج البضائع وبحيث يتم القضاء على التنافسية في السوق الداخلي ناهيك عن التصدير.

والبديل للاكتفاء الذاتي الذي ينادي به خامنئي هو أن تعيش إيران من عائدات النفط؛ وهو ما يريده كل من روحاني وظريف، لكن حتى هذا البديل لا يبدو ملائمًا، فإذا نظرنا إلى عمالقة الطاقة ونقصد بها دول الخليج فقد اكتشفت أنه من الضروري الاعتماد على قطاعات بخلاف الطاقة من أجل المنافسة على المستوى الدولي، وهو ما يستلزم الحفاظ على علاقات جيدة مع أكبر عدد ممكن من الدول، مما سيؤدي تباعًا إلى تحسين التجارة والنمو الاقتصادي.

ورجال الدين العجائز مثل خامنئي لم يدرسوا الاقتصاد، ويعتقد المرء منهم أنه يمكنه أن يدير اقتصاد البلاد كما يدير اقتصاد بيته، وهُم لا يدركون أن الشراء والاستيراد ليسا كافيين، وأن الاقتصاد يجب أن يقوم على الإنتاج والبيع أيضًا، والحقيقة أن مبدأ “اقتصاد المقاومة” ومنذ دعا إليه خامنئي منذ 14 عامًا لم ينجح قط.

وطالما استمر خامنئي في الاقتناع بمبدأ الاكتفاء الذاتي فإنه لن يسعى للعودة إلى الاتفاق النووي، وسوف يستمر تدهور الاقتصاد الإيراني، وللخروج من تلك الأزمة يجب على خامنئي أن يجنح نحو مزيد من السلام والقليل من الحرب، لكن تلك السياسة تأتي ضد المبرر الذي تسوقه الجمهورية الإسلامية لاستمرارها.

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” لندن.