أقليات ايران والحاجة الى دعم خارجي

حسين عبد الحسين

من البنود التسعة والعشرين للبيان الختامي لقمة ”جامعة الدول العربية“، الاسبوع الماضي في السعودية، لم يعرب اي منها عن دعم للعرب ممن يعيشون على الجهة الايرانية من الخليج العربي، على الرغم من الاحداث التي تشير الى انهم يتعرضون لضغوطات من النظام الايراني. طبعا، من غير المحبذ الحديث وفقا لتصنيفات عرقية او اثنية او طائفية، لكنه حديث تفرضه سياسة ايران، فطهران تستغل هذه التباينات في خدمة طموحاتها الاقليمية التي — كما هي الحال مع سكانها العرب — ما دفع ”منظمة العفو الدولية“ الى توثيق الاختراقات ضد ابسط حقوقهم، اي حقوق الانسان. بالفعل، تمثل السياسات الايرانية قصة حزينة من القمع ضد الاقليات، على انواعها، التي تعيش على شواطئ الخليج الشمالية. وفي وقت قد يعتبر البعض انه عملا بمبدأ احترام السيادة امتنعت الجامعة العربية عن الالتفات الى مناشدات عرب ايران، الا ان البند ٢٣ من البيان ادان اختراقات حقوق الانسان التي ترتكبها حكومة ميانمار ضد الاقلية المسلمة، وهو ما يشي انه كان يمكن للجامعة التعبير عن دعمها تجاه الاقليات المضطهدة — العربية وغيرها — في مناطق اقرب جغرافيا الى البلدان العربية. بذلك، اضاعت الجامعة فرصة.

حسب ”العفو الدولية“، تعاني الاقليات الاثنية في ايران، من عرب وترك اذريين، وبلوش، وكرد، وتركمان من ”تمييز مترسّخ، يقلّص من وصولهم الى التعليم والوظائف والسكن المقبول والمناصب السياسية. اللغة الفارسية ”هي لغة التعليم الوحيدة في التعليم الابتدائي والثانوي، ما ساهم في ارتفاع نسب من يتركون المدارس في مناطق الاقليات“. تقول المنظمة، في تقريرها للعام ٢٠١٧-٢٠١٨ ان افراد ”الاقليات ممن رفعوا صوتهم ضد اختراق حقوقهم عانوا من الاعتقال التعسفي، والتعذيب، وسوء المعاملة، والمحاكمات غير العادلة، والسجن، وعقوبة الاعدام“.

في احدث الامثلة، تغاضى تلفزيون ايران الرسمي عن ذكر المجموعة العربية كواحدة من الاقليات في احد برامج الاطفال، وعندما تظاهر عرب الاهواز، في الجنوب الغربي، اعتراضا على ”تهميش السلطات الايرانية لاصول العرب وعلى محاولتها طمس هويتهم“، حسب مجموعة ”مرصد حقوق الانسان في ايران“، اعتقلت قوات الأمن ١٤٠ متظاهرا. تضيف المجموعة انه ”على مدى العقد الماضي، شهدت الاهواز نموا في عدد المهاجرين من غير العرب الى احيائها السكنية بدعم حكومي، بهدف الاخلال بالتركية السكانية“.

في الشمال الشرقي، وجد الكرد الايرانيون انفسهم في الشوارع بين ٢٨ ديسمبر و٧ يناير يتظاهرون ضد الحكومة، ويدينون سياستها في ”الفساد والقمع والاحكام العرفية“، حسب المعهد الكردي في واشنطن.

هكذا، على الرغم من الرواية الرسمية عن الحضارة المتجانسة والقديمة، ايران ليست متجانسة، بل هي تحت حكم الملالي على شكل دولة واسعة تمت خياطتها باستخدام الاساطير التي تتراوح بين القومية والدين، وتقوم طهران باستخدام اي منهما او كليهما في خدمة القمع الذي تقوم به حكومتها. هذه الازدواجية الايرانية بين القومية والدين قامت طهران بتطبيقتها ايضا في سياستها الخارجية. في اذربيجان، مثلا، غالبية السكان هم من الشيعة، لكن طهران — التي اعلنت نفسها زعيمة الشيعة في العالم — تحالفت مع ارمينيا المسيحية ضد الاذريين ذوي الاصول التركية. اما في العراق، فتتصرف ايران كزعيمة للشيعة، وتحرَض الشيعة العرب ضد السنة العرب.

بتأرجحها بين القومية الفارسية والشيعية العالمية، وفي سعيها الى فرض هيمنتها، اخافت ايران المجموعات السكانية في كل مكان. كما أصرت ايران على تسمية الخليج بالفارسي، على سبيل المثال، للدلالة على الجم المائي الذي تسكن غالبية عربية معظم شواطئه وجزره. وفي اكثر من مناسبة، طالب وزير خارجية ايران جواد ظريف بتوسيع مفهوم ”الخليج الفارسي“ ليشمل البحر الاحمر، خصوصا اليمن، البلد الذي تعمل ايران بنشاط على تمويل وتسليح وتدريب الميليشيات التي قوضت السيادة المحلية والاستقرار. وبنجاح اكبر، اطلقت ايران حملة علاقات عامة دولية ضمنت فيها استخدام اسم ”الخليج الفارسي“ في الدوائر العالمية. وعلى الرغم من ان لا فائدة ترتجى من التسمية وحدها، الا ان طهران اشارت الى هذه التسمية كذريعة لبرير تمددها وهيمنتها.

العلاقات الجيدة بين الدول المتجاورة تكون في العادة مبنية على احترام سيادة بعضها البعض. اما ايران، فهي استخدمت الشوفينية القومية لتضطهد الاقليات الاثنية داخل ايران، كما استخدمت الشيعية الدولية لتحريض المجموعات في عموم منطقة الشرق الاوسط. وطالما ان طهران لا تراعي القوانين الدولية والاعراف، لا سبب يدفع جيرانها — الذين التقوا في غالبيتهم في قمة الجامعة العربية في السعودية — لاحترام السيادة الايرانية وعدم التعبير عن تضامنهم مع الاقيات المضطهدة في ايران، العربية منها وغير العربية، اذ يبدو انه لا يوجد مكان يمكن الشعور فيه بقوة الطموحات الايرانية اكثر من داخل ايران نفسها، حيث يشكل قمع حقوق الاقليات جزء من محاولتها اعادة كتابة التاريخ. هكذا، لا مكان للأقليات داخل ايران للجوء اليه، وهم بالتالي يحتاجون الى بعض الدعم من الخارج.

AFP PHOTO/ATTA KENARE