إيران تقتل المعارضين في الخارج لمنعهم من إثارة الاحتجاجات في الداخل

فيصل اليافعي

AFP photo: Ali Shirband

في منتصف ديسمبر؛ أعدمت إيران أحد مُعارضيها بعد استدراجه من المنفى باستخدام حيلة «فخ العسل» الشهيرة، واليوم لا يزال إعدام “روح الله زم” يُثير موجات من السخط بين المنفيين الإيرانيين في الولايات المتحدة وأوروبا. ويعزى ذلك جزئيا إلى الجرأة المُطلقة التي تمت بها تلك المؤامرة: فمن الواضح أن زم قد استُدرِج من منفاه في فرنسا، التي كان يعيش بها تحت حماية الشرطة، إلى العراق، عن طريق عميلة تعمل فيما يبدو لصالح المخابرات الإيرانية، وهناك تم اختطافه وتهريبه إلى إيران.

لكن المفاجأة الكبرى تمثّلت في السرعة التي أعدمت بها السلطات الإيرانية زم بعد رفض طلبه باستئناف حكم الإعدام الصادر بحقه. وتم تنفيذ حكم الإعدام بعد أربعة أيام من تأييده خلال الشهر الحالي. على الرغم من أن زم لم يتمتّع بالشهرة خارج دوائر المنفيين في الدول الغربية؛ إلا أنه كان اسمًا معروفًا في إيران، ونجل أحد رجال الدين ذوي المرتبة الرفيعة، وقد انتشرت صور والده ووالدته أثناء زيارة قبره على نطاق واسع.

ومما لا شك فيه أن المتشددين في إيران كانوا عازمين على ألا يصبح زم مصدرًا للانتقادات على المستوى الدولي، لكن قصة إعدامه تنطوي أكثر على ملامح المرحلة المقبلة في إيران.

كان زم بمثابة شخصية خطيرة بسبب ما كان يُمثله وما فعله: فهو أحد المصادر المُطَّلِعة على الثورة الإيرانية من الداخل، ولكنه لم يلبث أن ذهب إلى المنفى لتأجيج الاحتجاجات ضد تلك الثورة. ولا يوجد ما تخشاه بعض العناصر المُتشِّدَدة في إيران أكثر من قوة الشارع؛ خاصة في ظل الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها البلاد العام القادم، والإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن.

وقد أثار اختطاف زم مقارنات مُباشرة مع ما حدث لـ”حبيب شعب”، وهو معارض إيراني آخر استُدرِج إلى تركيا واختُطِف في عملية «فخ عسل» أُخرى في أكتوبر الماضي. كان “شعب” قائدًا لحركة انفصالية مقرها أوروبا تُمثّل الأقلية العربية في إيران، وقد ظهر في مقطع فيديو خلال الشهر الحالي يدلي فيه بـ”اعترافاته” من داخل إيران.

ومع ذلك، فأوجه التشابُه بين عمليتي «فخ العسل» مُجرد أمور ظاهرية وتتعلق أكثر بالجوانب الإدارية. بينما هناك مقارنة أفضل مع مُعارض يُدعى مسعود مولوي وردنجاني، الذي اُغتيل رميًا بالرصاص في تركيا في نوفمبر عام 2019. واتهم المسؤولون الأتراك إيران بتنفيذ عملية الاغتيال. كان وردنجاني يُشبه زم، في مهاجمته العلنية للحرس الثوري الإيراني، وفي كونه أحد المصادر المُطَّلِعة على الثورة الإيرانية من الداخل؛ حيث تُفيد التقارير بأن وردنجاني كان أحد المعنيين بالأمن الإلكتروني في وزارة الدفاع الإيرانية؛ أي أنه أحد أبناء الثورة الذين يخشاهم المُتشدِّدون داخل إيران.

وتتمثل العلاقة بين “زم” و”شعب” و” وردنجاني” في إثارة الاحتجاجات في الشارع، ومخاوف المتشددين في إيران من إمكانية عرقلة الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستُجرى في العام القادم.

وتُعد انتخابات الصيف القادم واحدة من أكثر الانتخابات أهمية في إيران، ولاسيِّما في ظل رئاسة بايدن للولايات المتحدة، فضلًا عن تصميم المحافظين في إيران على الفوز بالمنافسة الداخلية أمام التيار الإصلاحي، وتلك المنافسة الحاضرة باستمرار لا تبدو واضحة على الدوام: ومن الأمثلة النادرة على هذا الأمر، ما حدث في مطلع عام 2019، عند استبعاد وزير الخارجية محمد جواد ظريف، المحسوب صراحة على التيار الإصلاحي، من لقاء نظَّمَه الحرس الثوري مع بشار الأسد؛ الذي يعُد بمثابة “رأس الحربة” بالنسبة للمتشددين. وقد تقدَّم ظريف باستقالته نتيجة لذلك، إلَّا أنه تم إقناعه في النهاية بالعدول عن القرار.

ستتجسد تلك المنافسة بوضوح خلال انتخابات العام القادم، عندما تنتهي فترة ولاية الرئيس الإصلاحي الحالي، حسن روحاني. ولكن بينما يمكن للمتشددين الاعتماد على قدرتهم على قمع التصويت؛ إلَّا أن احتجاجات الشارع كفيلة بقلب الموازين بالنسبة لهم، ولا سيِّما تلك إذا كانت على غِرار الاحتجاجات التي عصفت بالبلاد في أعقاب انتخابات عام 2009 وفي عام 2017 وخلال العام الماضي. كان “زم” قد اعتُقِل إثر مُشاركته في احتجاجات 2009، ثم ما لبث أن هرب إلى الخارج، كما لعبت المؤسسة الإعلامية التي أسَّسَها دورًا هامًا في تنظيم احتجاجات 2017 و 2019.

بالنسبة للمحافظين، تُمثل احتجاجات الشارع انفجارًا خطيرًا للرأي العام، ويمكن لأي حركة احتجاجية تكتسب زخمًا قبيل الانتخابات أن تقلب الكفة ضدهم، كما أن اندلاع أي حركة احتجاجية عقب فوز المحافظين بالانتخابات –خاصة إذا كان هذا الفوز محل نِزاع، مثلما حدث في عام 2009- من شأنها أن تُؤدي إلى اتخاذ إجراءات قمعية سيشهدها العالم ويسمع بها.

غالبًا ما تُوفر تلك الاحتجاجات غطاءً سياسيًا للحكومات الغربية لاتخاذ إجراءات حاسمة، تتمثّل عادةً في توقيع عقوبات اقتصادية بدلًا من اتخاذ إجراء عسكري، ويُدرك المتشددون أن الرئيس الأمريكي الجديد سيواجه ضغوطًا لإثبات أنه “صارم” مع إيران، خاصة في حالة إحياء الاتفاق النووي.

لم يمر سوى أكثر من عام واحد بقليل على اندلاع أسوأ احتجاجات شهدتها إيران منذ الثورة الإسلامية، والتي أشعل فتيلها زيادة أسعار الوقود لكنها سرعان ما تصاعدت لتُصبح احتجاجات واسعة النطاق لمناهضة الحكومة. استمدت تلك الاحتجاجات، وهي الأكثر خطورة على المتشددين؛ مُعظم دعمها من تلك الفِئة من المحافظين على وجه التحديد؛ والتي تنتمي غالبًا إلى الطبقة العاملة التي عُرِفَت بدعمها التاريخي لمُرشحيها.

هذا ما جعل “زم” يُشكل مصدرًا للخطورة؛ فقد كان أحد أبناء الثورة الذين انشقوا عنها وبدأوا يشنون الهجوم على قادتها. وهو نفس السبب الذي جعل “شعب” يُشكل مصدرًا بالغ الخطورة؛ فقد وقعت بعض أكبر الاحتجاجات وأشد حملات القمع في خوزستان، وهي المحافظة التي تضم أكبر نسبة من عرب الأحواز.

وكان ذلك سبب محاكمة ثلاثة من قادة الاحتجاجات والحكم عليهم بالإعدام في يوليو من العام الحالي، وقد أسفرت حملة شاملة على وسائل التواصل الاجتماعي، لدرجة أنها وصلت إلى البيت الأبيض، عن وقف تنفيذ تلك الأحكام في نهاية الأمر، ووافقت المحكمة العليا خلال الشهر الحالي على إعادة محاكمتهم، ومع ذلك، يظل وضعهم غير مستقر.

وعلى الرغم من قمع احتجاجات العام الماضي بشكل صارم، وإخمادها تمامًا لاحقًا نتيجة انتشار الجائحة وعمليات الإغلاق الناجمة عنها، إلَّا أن الغضب لا يزال مُتأججًا داخل الصدور.

وقد سعى المتشددون إلى استخدام العنف والوسائل القانونية لمنع الناس من الاحتجاج؛ بل سيعتبرون إعدام “زم” نوعًا من الإنجاز، أو “مفاجأة ديسمبر” قبيل الانتخابات، ودليلًا على أنهم مازالوا قادرين على إعدام حتى المعارضين في المنفى. وهي رسالة واضحة من المُتشددين؛ مفادها أن الثوار الإيرانيين المتشددين مُستعدون لشنق أبناء ثورتهم قبل أن ينتفضوا ويقضوا عليهم باحتجاجاتهم.

يكتبفيصل اليافعيحاليًا كتابًا عن الشرق الأوسط، وهو أحد المُعلقين السياسيين الذين يتكرر ظهورهم في الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عملفيصللدى وكالات أنباء مثلالجارديانوبي بي سي، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.