سعي إيران نحو اظهار قدرتها على عرقلة تصدير النفط والغاز من دول الخليج العربي

حسن الحسن

AFP photo: Stephane De Sakutin

الشحن والنفط الإماراتية والسعودية على انها نتيجة لجولة أخرى من تصعيد الصراع الأمريكي الإيراني، متجاهلين بذلك ما وراء هذه الرسالة من جراء هذا العمل الايراني المُدبر. فالهجمات قد استهدفت على وجه التحديد المنشآت السعودية والإماراتية التي تتجاوز مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق يجتازه خٌمس إمدادات النفط العالمية التي هددت إيران بإغلاقها في حالة نشوب صراع. وبمهاجمة منشآت الشحن والنفط، تُظهر إيران قدرتها على تعطيل الإجراءات الطارئة التي تتخذها دول الخليج وكذا تعريض كامل صادرات المنطقة من النفط والغاز للخطر.

وقد ازدادت التوترات بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، حيث تبادل الجانبان التهديدات بشأن صادرات النفط الإيرانية. وفي أبريل، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن الولايات المتحدة ستنهي الاعفاءات الخاصة بشراء النفط الإيراني اعتبارًا من 1 مايو كجزء من حملة “أقصى قدر من الضغط” ضد طهران. ورد فيلق الحرس الثوري الإسلامي، الذي صنفته الولايات المتحدة ككيان إرهابي الشهر الماضي، بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز في حال منع إيران من استخدامه.

وتصاعدت حدة المواجهة عندما صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، في 5 مايو، ان الولايات المتحدة سترسل حاملة طائرات و قوة من القاذفات إلى الخليج رداً على التهديدات الغير محددة من إيران او من المجموعات التابعة لها لمصالح الولايات المتحدة الامريكية. وادعى أن هذه الخطوة كانت بمثابة “رسالة واضحة لا لبس فيها للنظام الإيراني”. رد الحرس الثوري الإيراني بوصف حاملة الطائرات ، يو إس إس أبراهام ، بأنها هدف أكثر من تهديد.

وفي الثاني عشر من مايو، استهدفت سلسلة من الانفجارات أربع سفن بالقرب من ميناء الفجيرة الإماراتي في خليج عمان. وتسببت الانفجارات، التي وصفتها سلطات الإمارات العربية المتحدة بأنها “تخريب”، في إتلاف ناقلتين نفطيتين سعوديتين وإماراتية وواحدة نرويجية لكنها تركت الميناء بحالة سليمة. بعد يومين، أعلنت المملكة العربية السعودية أن محطتي ضخ النفط في أرامكو الواقعتين غرب الرياض كانتا هدفين لهجوم بطائرة بدون طيار. وبعد ذلك أعلن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن تبنيهم لعملية الهجوم.

حتى الآن، كان رد فعل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحذر. ودعت وزارة الخارجية الإماراتية “المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته”، لتجنب أي إشارة إلى هوية الجاني. وفي الوقت نفسه، أشار وزير الطاقة السعودي خالد الفالح إلى ايران بطريقة غير مباشرة من خلال تسليط الضوء على الحاجة “لمواجهة الكيانات الإرهابية، بما في ذلك الميليشيات الحوثية في اليمن التي تدعمها إيران”.

وعلى الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لم يلقا اللوم على إيران بعد، إلا أن فريقًا من المحققين العسكريين الأمريكيين خلص إلى أن إيران أو مجموعاتها التابعة كانت مسؤولة -على الأرجح- عن الهجمات التي تمت على ناقلات النفط بالقرب من الفجيرة. علاوة على ذلك، فإن إعلان الحوثيين عن تبنيهم للهجوم على منشآت أرامكو هو مؤشر آخر على تورط إيران. وقامت إيران بخلق شبكة من الحلفاء والمجموعات تابعة لها في جميع أنحاء المنطقة مما يسمح لها بتوسيع نطاق عملياتها مع انكار تورطها في ذات الوقت.

وإذا كانت تقارير التورط الإيراني دقيقة، فمن المحتمل أن الهجمات قد صممت لإظهار قدرة طهران على استهداف جميع صادرات المنطقة من النفط والغاز، بما في ذلك تلك التي لا تنتقل عبر الممر المائي الضيق لمضيق هرمز. وتشير الهجمات إلى أن إيران ستنفذ ما صرح به الرئيس حسن روحاني في تهديده الأخير والذ قال فيه “إذا أرادوا يومًا ما منع تصدير نفط إيران، فلن يتم تصدير أي نفط من الخليج الفارسي”.

ورداً على تهديدات إيران المتكررة بإغلاق المضيق، فقد عملت دول الخليج لسنوات طويلة على وضع خططاً لتجاوز الممر الضيق. تتضمن هذه الخطط توجيه النفط والتجارة التي يتم توفيرها عن طريق البر إما إلى خليج عمان عبر الإمارات العربية المتحدة أو عبر المملكة العربية السعودية إلى البحر الأحمر. وقد يكون القصد من هجمات هذا الشهر هو إظهار قدرة إيران على مواجهة مثل هذه التدابير الطارئة، وبالتالي تعريض صادرات النفط في المنطقة بأكملها للخطر.

يبدو أن طبيعة الهجوم الذي نفذه الحوثيين بدون طيار على محطات الضخ في أرامكو تدعم هذا الرأي. وفي الماضي، بدا أن استخدام الحوثيين للطائرات والقذائف على الأراضي السعودية أو الإماراتية يهدف إلى زيادة التأثير النفسي على السكان المدنيين. على الرغم من أن الحوثيين كانوا قد استهدفوا أصول النفط السعودية في الماضي، إلا أن الهجمات عادة ما كانت تستهدف منشآت أرامكو بالقرب من الحدود اليمنية في عسير أو جيزان، أو كانت تستهدف ناقلات النفط السعودية في البحر.

على النقيض من ذلك، استهدف الهجوم الأخير محطات الضخ الموجودة في المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة غرب الرياض، مما يشير إلى أن التأثير المقصود لم يكن بدافع الإرهاب المدني. بل تعد هذه المحطات مهمة على وجه التحديد لأنها تساعد في نقل النفط من حقول المملكة العربية السعودية في الشرق إلى ميناء ينبع في البحر الأحمر، مما يتيح للنفط تجاوز مضيق هرمز تمامًا.

وبالمثل، يستمد ميناء الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة أهميته الاستراتيجية من موقعه. حيث يمكن للميناء – الواقع جنوب مضيق هرمز – أن يسمح لدولة الإمارات العربية المتحدة بتجاوز اي محاولة إيرانية لمنع تصدير النفط عبر المضيق في حالة نشوب صراع عسكري. وتستقبل بالفعل محطة الفجيرة النفطية، والتي فاقت طاقتها في عام 2012 حاجز 2 مليون برميل يوميًا، النفط من حقول حبشان في أبو ظبي.

بالنسبة لإيران، فإن الأساس المنطقي الاستراتيجي وراء الهجمات هو رفع تكلفة الصراع العسكري بشكل كبير للولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج. وتعتمد ايران وكذا دول الخليج العربي على تصدير النفط والغاز كمصد للدخل بشكل كبير. كما ان مقاطعة صادرات النفط والغاز في المنطقة من شأنه أن يتسبب أيضًا في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، مما يلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي الذي يعتمد على الطاقة الرخيصة.

أخيرًا، على الرغم من أن القادة في كل من الولايات المتحدة وإيران يصرون على أنهم لا يريدون الحرب، فإن أفعالهم في النهاية تتحدث بصوت أعلى من كلماتهم. وبسبب تصرفاتهم المتهورة التي جعلتهم علي حافة الهاوية، وضع الجانبان أنفسهما على طريق تصعيد محفوف بالمخاطر وقد تكون عواقبه كارثة لجميع المعنيين. ومع ذلك فان هناك امكانية لتجنبه.