الانتخابات الإيرانية: مع وصول المتشددين للحكم، تمتلك طهران الآن فرصة ذهبية لتفادي الحرب مع أمريكا

فيصل اليافعي

AFP Photo: Atta Kenare

كان هناك العديد من الممهدين للنصر الذي حققه المحافظون الإيرانيون في الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الماضي . فعلى سبيل المثال، شاب الانتخابات تزوير هائل لصالح المحافظين، حيث استبعد “مجلس صيانة الدستور”، وهو عبارة عن لجنة منوطة بفحص المرشحين للانتخابات، أكثر من 7000 مرشح بما فيهم استبعاد 90 نائبًا بالبرلمان مُعظمهم ينتمون للتيار الإصلاحي.

ووقع بعد ذلك الحادث المفاجئ الخاص بمقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في بداية شهر يناير الماضي، وهو الحادث الذي أعطى المتشددين ذريعة قوية تحت ستار الوطنية، ولهذا كانت صور سليماني تزين اللجان الانتخابية في جميع أنحاء البلاد.

بيد أن العنصر الحاسم تمثّل في عدم اهتمام الناخبين. وكما كان الحال في أماكن أخرى، فإن عدم اهتمام الناخبين صب في مصلحة المحافظين، الذين شارك مؤيديهم في التصويت دون النظر لأية اعتبارات أخرى. وتراجعت نسبة المشاركة لتصل إلى 42% فقط، وهي النسبة الأقل على مدار التاريخ الإيراني الحديث، مما وفّر للمحافظين فوزًا مريحًا وحصلوا على أكثر من ثلاثة أرباع مقاعد البرلمان، بما فيها جميع المقاعد التي تمثل طهران. ويعنى نفوذهم على حسن روحاني أنه سيكون رئيسًا بلا تأثير حقيقي خلال العام المتبقي له في منصب الرئاسة.

قد يبدو ما نقوله منافيًا للمنطق، لكن وجود برلمان محافِظ قوي في إيران ربما يساهم في الحفاظ على السلام. ففي عام يتسم بالحساسية فيما يخص علاقات البلاد مع الولايات المتحدة، ربما يمنح المتشددين للشعب الإيراني فرصة ذهبية لتفادي الحرب.
وكثيرًا ما مثلت المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى وجه الخصوص الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، عائقًا أمام الساسة المعتدلين. ففي خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، اتهم روحاني بنفسه الحرس الثوري علانية بمحاولة تخريب الاتفاق النووي الذي أبرمه مع الغرب.

والواقع أن قوة المؤسسة الأمنية تزدهر بالمواجهة، حيث يعتمد الحرس الثوري الإسلامي على الأزمات المستمرة للحفاظ على أهميته؛ مثل المشاكل مع العراق أو مع الولايات المتحدة مما يضمن له استمرار تدفق الأموال. ومع سيطرة الساسة المتشددين على أغلبية مقاعد البرلمان، فقد بات الوقت مناسِبًا لاتباع مسار المواجهة. حيث يمكن لإيران بسهولة الدخول في حرب مع الولايات المتحدة دون حساب عواقب تلك المواجهة.

وبدلًا من ذلك، يمكن للمحافظين أن يبرروا أن فترة الهدوء التي تشهدها البلاد قد تهيأ الطريق أمام مرشحهم للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي لم يتبق عليها سوى عام واحد. وحدوث أي توتر حقيقي في البلاد من الممكن أن يؤدي إلى انهيار تلك الخطة، وربما ينصرف الناخبون عن صناديق الاقتراع، ولو اتجهت السلطات للتضييق الأمني باعتباره ضروريًا، ربما يؤدي ذلك إلى انتشار حركة المعارضة مما سيؤدي بدوره إلى فوز شخص آخر جديد معتدل بمنصب الرئاسة.
وقد بات المحافظين الآن أمام مخاطر حقيقية، فعلى مدار العشرين عامًا الماضية، أثبتت الانتخابات البرلمانية أنه يمكن الاعتماد عليها كمؤشر جدير بالثقة على نتيجة الانتخابات الرئاسية التي تليها، بمعنى أن من يفوز بالأولى سيفوز بالثانية. وخلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في عام 2016؛ تم تفسير فوز الكتلة الإصلاحية على أنه دعم للاتفاق الذي أبرمه روحاني مع الغرب، وقد فاز روحاني بفترة رئاسية ثانية بعدها بعام. وقد حدث الأمر نفسه مع محمود أحمدي نجاد، سلف روحاني. حيث أدّى الفوز المريح الذي حققه المحافظون في عام 2004 إلى فوز نجاد بشكل ساحق في انتخابات عام 2005.

وهناك استثناء وحيد ينطبق على فوز روحاني للمرة الأولى بالانتخابات التي جرت في عام 2013، حينما قام روحاني بركوب موجة احتمال الوصول لنتائج عبر الحوار مع الغرب.
ولو أن بمقدور المحافظين تجنب أية صدمات سياسية ربما تؤدي إلى حشد المعارضة ضدهم؛ فسيكونون قاب قوسين أو أدنى من الحصول على رئيس ينتمي للتيار المحافظ.
وفي الواقع، هذا يعني تفاعُل أكثر مع العالم الخارجي وربما يؤدي أيضًا إلى نزع فتيل التوتر بين طهران والدول العربية. وربما يتردد المتشددين في استفزاز القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي العراقية، بحجة أن قيام البيت الأبيض بتصعيد غير متوقع – مثل الإقدام على قتل قاسم سليماني بشكل مفاجئ – ربما يؤدي لتهديد موقف التيار المتشدد.

وبالفعل قد يشهد أكثر السيناريوهات تفاؤلًا على مدار الشهور الإثنى عشر القادمة (بمجرد أن تتلاشى ذكرى مقتل سليماني)، إبرام المحافظين صفقة مع الرئيس الأمريكي المنتخب حديثًا على أمل تخفيف العقوبات، مما سيؤدي إلى تحسُن الاقتصاد الإيراني قبل الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها البلاد.
وهذا يعني على أي حال أن مرحلة الاعتدال التي كان يمثلها روحاني ربما تذهب إلى غير رجعة، وليس أدل على فشل سياسة المقاربة التي اتبعها روحاني، سوى تصوير النظام القمعي الذي يمثله المتشددون على أنه أمر من الأمور الإيجابية.

وسيدخل المؤرخون في جدال حول من وما الذي يمكن لومه جراء فشل مجهودات روحاني الذي استمر في الرئاسة طيلة ثمانية أعوام كاملة، لكن المؤكد هو أن هذا الفصل الخاص سينتهي العام القادم بانتخاب رئيسًا للبلاد ينتمي للتيار المحافظ، وهذا يعني المزيد من المواجهات، سواء في المنطقة أو خارجها، كما يعني المزيد من التهديد باستخدام القوة لحل مسألة البرنامج النووي.
ولو شهدت إيران حالة من الهدوء لبعض الوقت فمن غير المتوقع أن تستمر تلك الحالة طويلًا. فهناك سبب يدفع المتشددين للتخلص من أية استفزازات أمريكية هذا العام، لكن بعد ذلك سيفقدون هذا السبب، وربما تشهد البلاد حالة من الهدوء حتى انتخاب الرئيس الجديد، لكن لا توجد ضمانات تمنع حدوث عاصفة بعد ذلك الهدوء.

 

يؤلف فيصل اليافعي حالياً كتاب حول الشرق الأوسط، كما يعمل كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوروبا بالإضافة لآسيا وإفريقيا.