الانتخابات الإيرانية: برلمان جديد يسيطر عليه التيار المتشدد يعني مزيدًا من الصراعات في الداخل ومزيدًا من التوتر في الخارج

دنيانيش كامات

AFP Photo: Khamenei.Ir

أظهرت الانتخابات البرلمانية الإيرانية التي عقدت مؤخرًا التي تمت إدارتها بحرفية شديدة، أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وحلفاؤه قد فقدوا كل الذرائع التي تجعلهم يعتقدون أنهم يمثلون إرادة الشعب، وبات المتشددون الآن يسيطرون على البرلمان بشكل كامل، وتشير النتائج الأولية التي أعلنت عنها السلطات الإيرانية أن البرلمان بات تحت السيطرة الكاملة للتيار المتشدد، حيث حصل أنصار خامنئي على 178 مقعدًا من أصل 290 مقعد، أما المقاعد التي حصل عليها التيار الإصلاحي فقد تقلصت من 120 مقعدًا إلى 17 مقعد فقط، وهذا يعني احتمالية حدوث المزيد من الصراعات الداخلية في البلاد مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة.

والواقع أن نتيجة تلك الانتخابات تمثل نتيجة مفروغ منها. حيث منع مجلس صيانة الدستور، وهو عبارة عن لجنة تتألف من 12 عضوًا منوطة بفحص المرشحين و تقدم تقاريرها مباشرة إلى خامنئي، الإصلاحيين من المشاركة في تلك الانتخابات، حتى أن بعض أعضاء البرلمان الحاليين ومنهم من ينتمي للتيار المحافظ والمشهود لهم بالولاء للثورة لم ينجون من تلك الإجراءات تحت أعذار واهية.

وقد منع مجلس صيانة الدستور في الماضي المرشحين من خوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية، لكن الانتخابات الأخيرة تتمتع بوضع خاص بسبب ما شابها من تزوير شامل وواسع النطاق، مما جعلها من أكثر الانتخابات التي شهدت مخالفات منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979. وليس هناك شك في أن نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة والتي بلغت 43% تعُد النسبة الأدنى التي تشهدها الانتخابات البرلمانية منذ اندلاع الثورة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختار خامنئي السير على هذا النهج؟.

ويبدو أن حسابات خامنئي قامت على أن حياته السياسية قد قاربت على أن تضع أوزارها، لذا فهو يحتاج للسيطرة على جميع مفاصل منظومة الحكم الإيرانية المعقدة، وذلك من أجل تأمين استمرار النظام وتأمين عملية تنفيذ وصيته السياسية. في الماضي كانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية الحرة بمثابة منفذ للشعب الإيراني للتنفيس عن شعوره بالاستياء من النظام بشكل دوري. ففي انتخابات عام 2016، بلغت نسبة المشاركة في طهران 50% وحصل التيار الإصلاحي على المقاعد البرلمانية الثلاثين المخصصة لطهران. أما هذه المرة، فقد بلغت نسبة المشاركة في طهران 25% فقط ولم يحصل التيار الإصلاحي على أية مقاعد. والواقع أن نسبة المشاركة كانت منخفضة حتى في المناطق التي تعُد من معاقل التيار المحافظ مثل “مشهد” و”أصفهان”، أما مدينة الأحواز التي تقع في محافظة خوزستان، والتي تسكنها أقلية عربية تشعر بالسخط، وتعد موقع الاحتجاجات ضد النظام في شهر نوفمبر الماضي، فقد شهدت أيضًا انخفاضًا في نسبة المشاركة في تلك الانتخابات.

وفي الماضي كان المرشد الأعلى على استعداد للسماح للناخبين بتوجيه اللوم الحاد للحكومة عبر صناديق الاقتراع، لكن من الواضح أنه يريد هذه المرة ممارسة لعبة طويلة الأمد، وأن يستخدم البرلمان الذي يتسم بالرضوخ من أجل إعادة توجيه الانتباه الغاضب المنصب على الحكومة التي يقودها الرئيس حسن روحاني. والواقع أن التيار المحافظ كان قد بدأ بالفعل بتوجيه الانتقادات لروحاني بسبب فشل حكومته في مواجهة أزمة تفشي فيروس كورونا في البلاد، لذا من المتوقع أن تشمل جلسة البرلمان الجديد استدعاء وزراء الحكومة واستجوابهم، وربما تتم محاكاة القواعد التي تمارسها الولايات المتحدة والدعوة إلى عزل روحاني.

علاوة على ذلك، فإن البرلمان ربما يقوم بإقرار تعديلات دستورية تشمل تغييرات شاملة تطال عملية انتخاب كل من البرلمان والرئيس في المستقبل. وربما لم يكن من المصادفة أن يأتي محسن قاليباف، محافظ طهران السابق وقائد القوات الجوية في الحرس الثوري الإسلامي سابقًا وأقرب حلفاء خامنئي، على رأس الفائزين في طهران، حيث أدلى الناخبون بأصواتهم لاختيار ممثلي طهران في البرلمان وعددهم 30 نائبًا، وربما يصبح قاليباف المتحدث التالي باسم البرلمان، وربما يستخدم نفوذه المؤثر من أجل خوض الانتخابات الرئاسية القادمة.

وقد أسفرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة عن التخلص من مراكز القوى التابعة للتيار المحافظ مثل علي لاريجاني، رئيس البرلمان، ونائبه علي مطهري وإزاحتهما من المشهد السياسي. وذلك لن يفيد سوى خصومهما السياسيين ، ومنهم إبراهيم رئيسي، وهو حليف آخر لخامنئي ويشغل حاليًا منصب رئيس السلطة القضائية في إيران. وبينما اختار لاريجاني عدم خوض الانتخابات الأخيرة؛ فقد أعلن مجلس صيانة الدستور استبعاد مطهري لأنه غير مؤهل. ويعُد رئيسي منافسًا قويًا لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى.

باختصار، فإن تداعيات نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة على الشؤون الداخلية الإيرانية تتمثّل في أنها تسمح لخامنئي بوضع حلفائه في المراكز الحساسة، ومن ثم تهيئة الوضع لتنفيذ خطته لتوريث الحكم.

ووفقًا للمصطلحات الجيوسياسية، فإن خامنئي ربما يستخدم البرلمان الجديد في تكوين إجماع سياسي داخلي يخص تخلي إيران عن دورها في الاتفاق النووي. بحيث يجعل البرلمان يصدر قرارات تطالب الحكومة بالانسحاب من الاتفاق النووي وتصوير ذلك أمام العالم على أنه مجرد إذعان لإرادة الشعب الإيراني.

وكذلك يمكن الاعتماد على البرلمان الجديد لدعم التحركات الإيرانية على مستوى المنطقة. فمن وجهة نظر خامنئي، فإنه من المنطقي الخروج من الاتفاق النووي قبل حلول شهر نوفمبر المقبل، وحجته أن دونالد ترامب لن يخوض حربًا ضد إيران بينما يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة، ومن غير المحتمل أيضًا أن تقوم إسرائيل ، على الرغم من تهديدات بنيامين نتنياهو، بأي فعل دون الحصول على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة.

وعلى أي حال، فإن الخطر الأكبر الذي يهدد خامنئي وحلفائه ربما يأتي من الشعب الإيراني ذاته. وعبر قيامه بإغلاق مجال السياسة الانتخابية ومحاولة تقييد تلك العملية، على الرغم من أنها السبيل الوحيد أمام الشعب الإيراني للتنفيس عن الغضب من حين إلى حين ضد النخبة الحاكمة، وهذا يعني أن خامنئي قرر تحدي الشعب الإيراني، وهناك غضب منتشر على نطاق واسع بسبب عجز السلطات والفشل الاقتصادي والغموض الذي أحاط بحادث سقوط الطائرة الأوكرانية وأخيرًا انتشار فيروس كورونا في البلاد، مما جعل الشعب الإيراني لا يجد منفذًا للتعبير عن الغضب سوى الخروج إلى الشارع.

 

يعمل دنيانيش كامات كمحلل سياسي، وهو متخصص في منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما يقدم استشارات للحكومات حول السياسات والمبادرات الاستراتيجية، لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.