هل تؤدي الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين إيران والصين إلى تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

الين ليبسون

AFP Photo: Phill Magakoe

بحلول نهاية شهر مارس انتقلت الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين إلى مرحلة جديدة، وذلك بعد انطلاق تلك الشراكة للمرة الأولى في العام 2016 خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى إيران، وفي السابع والعشرين من مارس وقّع وزير الخارجية الصيني وانغ يي على نسخة موسّعة من البيان الذي تم التوقيع عليه في طهران خلال العام 2016، والمعني بالتعاون الثنائي في القضايا السياسية والثقافية والأمنية والدفاعية، فضلًا عن استثمارات هامة في قطاعي الطاقة والبنية التحتية تبلغ قيمتها 400 مليار دولار على مدار 25 عامًا.

وسيكون هذا الامر بمثابة تطور بارز يشهده الشرق الأوسط، وتأكيد على التحديات الصينية المتعلقة بطموحات بيجين في المنطقة، وقدرة إيران على الحفاظ على مصالحها الاقتصادية رغم أنف العقوبات الأمريكية، وبصورة أكثر شمولًا فإن هذا التطور سيطال مسألة توازن القوى على المستوى الإقليمي.

لكن من المهم تحليل الأمر بعناية حتى قبل توافر المزيد من التفاصيل، ماذا سيكون وما الذي لن يكون، لنأخذ في الاعتبار أولًا كيف يمكن لتلك الخطوة أن تصبح نقطة محورية فيما يخص الأوضاع الجيوسياسية على مستوى المنطقة.

والواقع أن القادة الصينيين يفكرون بشكل استراتيجي، وربما يكونوا قد أخذوا في الحسبان أن إيران لديها آفاق جيدة على المدى الطويل، وأنها شريك استراتيجي ودولة تتمتع بالأهمية في المنطقة، يمكنها تدعيم النفوذ الصيني والسماح لبيجين بالاستفادة من الموارد الاقتصادية الإيرانية وأكثر، وقد أدّت العُزلة التي فرضتها كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إيران إلى تسهيل عملية التفاوض بين طهران وبيجين، والواقع أن رغبات الصين في التجارة والاستثمار قوبلت بالترحاب من إيران التي تعاني جرّاء الضغط عليها من أطراف متعددة، وعلى الرغم من الضعف الذي تعاني منه إيران حاليًا إلا أن بيجين ترى فيها مكسبًا استراتيجيًا على المدى الطويل.

وربما تعتقد بيجين أيضًا أن الانخراط في العلاقات مع طهران سيؤدي إلى تخفيف حدة التهديدات الناتجة عن تأييد طهران لقضية مسلمي الإيغور في غرب الصين، وقد كانت هناك أنشطة إيرانية لتعزيز وحدة المسلمين في دول الاتحاد السوفيتي السابق المتاخمة للصين والواقعة في منطقة وسط آسيا، والواقع أن إظهار الاحترام لإيران والقيام بالأنشطة التي تدعم المصلحة المشتركة سيكون له فائدة خاصة مع ظهور القضايا ذات الحساسية دينيًا وثقافيًا.

علاوة على ذلك، فإن الصين ربما تشعر بالارتياح لكسب شريك جديد في إطار تحديها لقيم “النظام الليبرالي العالمي” الذي أسّسته القوى الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والنظام الإيراني بالطبع لا يعُد ليبراليًا حينما يتعلّق الأمر بالحقوق الشخصية والحريات، وهذا النظام سيدعم بقوة مسألة عدم التدخُل في الشئون الداخلية للدول ذات السيادة.

واليوم فإن إيران لم تكن سوى وجهة واحدة في رحلة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى المنطقة، لذا سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن بيجين ستقوم بتحسين علاقتها مع إيران على حساب العلاقات الصينية مع الدول العربية البارزة، وقد قام وانغ بممارسة دبلوماسية اللقاحات في أبو ظبي (تستخدمها بيجين لتوسيع نفوذها عبر توزيع اللقاحات)، وكشف عن خطة أمنية إقليمية في الرياض سترمي إلى استئناف التركيز على حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى جانب قضايا أخرى، لذا فإن الهدف الأشمل لرحلة وانغ هو إيجاد الثقة في بيجين وبحيث يمكنها حماية مصالحها مع الانخراط بشكل أكبر في منطقة الشرق الأوسط.

وهل تعُد الولايات المتحدة هدفًا لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران؟، سارع بعض المحللين إلى افتراض أن زيارة وانغ تهدف إلى توصيل رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن عهد السيطرة الأمريكية على العالم قد بدأ في الانهيار، وأن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية على مدار عقود، وأن الشرق الاوسط بات منصة إضافية للمنافسة الاستراتيجية بين بيجين وواشنطن، والصين لم تعُد ترى هيمنة الولايات المتحدة باعتبارها أمرًا طبيعيًا، وأن منطقة الشرق الأوسط باتت “مسرحًا” لقوى خارجية أخرى.

لكن من المحتمل أيضًا أن يكون لدى الصين أمل في إثبات ثقتها المتزايدة ونفوذها في المنطقة؛ دون إحداث شرخ جديد في العلاقات المتوترة باعتراف الجميع بين بيجين وواشنطن، ويمكن للصين أن تبرر الزيارة الأخيرة إلى طهران بأنها سوف تسهم في علاج الخلافات الحادة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، والمؤكد هو أن إدارة بايدن قد اختارت التشديد على أن الصين والولايات المتحدة تتشاركان رؤية واحدة وهي منع إيران من امتلك أسلحة نووية، وأن الطرفان الكبيران (واشنطن وبيجين) يمكنهما العمل سويًا من أجل حث إيران على تنفيذ الالتزامات الخاصة بها تجاه الأمم المتحدة، ومسألة استئناف محادثات العودة للاتفاق النووي ربما تستلزم دعمًا صينيًا – وهو ما يعُد أحد أهداف الاتفاقية الاخيرة بين بيجين وطهران، ولو حصلت الصين على الثقة سيكون هذا بمثابة دعم للدبلوماسية الصينية كما سيكون بمثابة هدية لإدارة بايدن التي تعاني من أجل فتح قنوات أكثر فاعلية مع طهران.

ومن الصعب القول بأن هناك مخاوف شديدة فيما يخص الجوانب الأمنية في الاتفاقية التي تم إبرامها بين بيجين وطهران، والمرجح أن تتركز المناقشات حول مكافحة الإرهاب ومبيعات الاسلحة والقضايا الأخرى الثنائية ذات الطابع الدفاعي، لكن يبدو أن الصين تشعر بالقلق من تحمُل المزيد من المسؤوليات الأمنية في المنطقة حتى الآن على الأقل، لكن وبالنظر إلى مشروعات تشييد الموانئ والأساليب التي تتبعها بيجين لزيادة حضورها البحري فإنها تسعى للتأكيد على مقدرتها القيام بدور أكبر باعتبارها قوة بارزة.

وبالنسبة لإيران فإن فائدة زيارة وانغ كانت واضحة، وأغلب الظن أن النظام الإيراني شعر بارتياح شديد لأن طهران قد حظت بهذا الزائر المهم، وأن تلك الزيارة كانت بمثابة رسالة من النظام إلى المجتمع الإيراني البائس بأن إيران لا زالت تتمتع بالاحترام على الساحة الدولية، كما أن الحديث عن تلك الاستثمارات بأرقام ضخمة ربما يكون له تبعات تعمل على تنشيط بعض القطاعات في إيران.

لكن السياسة الخارجية لإيران لا تُبنى على أساس العلاقات مع القوى الكبرى أو ما يشبه التحالفات الرسمية؛ مثل ما يحدث في الغرب أو في إطار العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها البارزين في قارة آسيا، وإيران تتبع أسلوبًا يجعل منها شريكًا رئيسيًا خلال العلاقات مع الدول الإسلامية الأضعف أو الأقل، وبحيث يتم تبجيل والاعتراف بتاريخ إيران الاستعماري وتداعياته الثقافية على مستوى المنطقة، وعادة ما تشعر إيران بالقلق الشديد فيما يخص العلاقات مع الدول الأقوى؛ سواء تعلّق هذا الأمر بالعلاقات مع روسيا والمملكة المتحدة على مدار قرون، أو فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، وتميل إيران إلى نظريات المؤامرة حين يتعلق الأمر بتحديد نوايا الجهات الخارجية، ويجب على المرء أن يتابع إشارات القلق والتقدير أيضًا الصادرة من إيران ردًا على الاهتمام الذي باتت توليه بيجين تجاه طهران.

لذا من الآن فصاعدًا فإنه من الأفضل متابعة ما إذا كانت تلك الشراكة الطموحة ستخرج إلى النور وكيف سيتم ذلك، والعديد ممن اعتنقوا خطاب الصين فيما يخص مبادرة الحزام والطريق شعروا بخيبة أمل شديدة، وربما تصبح إيران استثناء في هذا الإطار، وأنه يمكن للصين وإيران تغيير تاريخ المنطقة عبر القيام بشراكة في قطاعي النفط والبنية التحتية، وربما يمكن للصين أن تقدم أداءًا أفضل من الولايات المتحدة فيما يخص إيجاد تسوية مؤقتة فعالة بين طهران والرياض، أو فيما يتعلّق بإيجاد حل للقضية الفلسطينية، وربما تجد الصين قبولًا من المنطقة – الدول العربية + إيران – لبعض الأفكار الصينية الخاصة بالحكم الدولي والأمن الإقليمي، والواقع أن الآثار التراكمية لتلك القضايا الجوهرية من الممكن أن تؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة.

 

إيلين ليبسون، شغلت سابقًا منصب نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية، وتشغل حاليًا منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ماسون في ولاية فرجينيا، كما شغلت سابقًا منصب الرئيس والمدير التنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن.