إيران والقوقاز: طهران باتت عاجزة في المنطقة التي كانت تسيطر عليها سلفا

نيل هاور

AFP Photo: Karen Minasyan

المعروف عن إقليم القوقاز أنه كان تابعًا لثلاث إمبراطوريات سابقة: روسيا وتركيا وإيران، لكن وبينما احتفظت روسيا ومن خلفها أنقرة – بدرجة أقل – بنفوذ ضخم في تلك المنطقة فإن طهران اكتفت بدور المشاهد، وذلك على الرغم من وضع إيران الذي يتسم بالسيطرة الدائمة تجاه جيرانها إلى الغرب منها ونعني بها الدول العربية، أما الدول الجارة لإيران والتي تقع إلى الشمال الغربي منها فقد ظلت خارج نطاق السيطرة الإيرانية – ومن الصعب أن يشهد هذا الوضع أية تغيير.

وعلى مدار أكثر من 2000 عام سيطرت إمبراطوريات فارسية مختلفة على شرق القوقاز؛ بما فيها أراضي كل من أرمينيا وأذربيجان، وتلك السيطرة طويلة الأمد انتهت في أوائل القرن التاسع عشر؛ حين قام القيصر الروسي بانتزاع تلك الأراضي بعد عدة حملات عسكرية.

ولم يكن لإيران دور بارز في المنطقة على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين، لكن كان لها دور ولو يسير في حرب كاراباخ الأولى؛ حيث تزامن ذلك مع انهيار الاتحاد السوفيتي الذي حدث في بداية التسعينات من القرن الماضي، ومعظم المواقف الإيرانية كانت مناصرة لأرمينيا؛ خاصة بعد صعود أبو الفضل الشيبي إلى سدة الحكم في أذربيجان في منتصف العام 1992؛ وهو من كان يحلم بتوحيد بلاده مع منطقة “أذربيجان الإيرانية” مما أثار غضب طهران، والأهم هو أن طهران وفرت شريان حياة لأرمينيا يصل بينها وبين العالم الخارجي، وباتت إيران ممرًا آمنًا لنقل الطاقة والغذاء؛ وذلك بسبب إغلاق حدود أرمينيا مع باقي الدول إما بسبب الحصار (تركيا وأذربيجان) أو الحرب الأهلية (جورجيا).

واحتفظت أرمينيا بعلاقات اقتصادية قوية مع إيران على مدار العقود التالية، واحتلت طهران المركز الثالث في قائمة الدول المُصدّرة ليريفان في العام 2019، ولم يتطور التعاون بين الدولتين لأبعد من ذلك، وظلت الاستثمارات الإيرانية في أرمينيا في حدها الأدنى، وكان التعاون بين طهران ويريفان نادرًا في المجالين العسكري والسياسي، وقد أدّت رغبة يريفان في الحفاظ على التوافق مع الولايات المتحدة كجزء من السياسة الخارجية الأرمينية متعددة التوجهات؛ أدّت إلى تدهور حاد في العلاقات مع طهران.

والعلاقات بين طهران وأذربيجان كانت حتى أقل حظًا من العلاقات بين طهران ويريفان، وبينما شعرت إيران بالسرور لإمكانية قيام دولة ذات أغلبية شيعية على حدودها؛ لكن الموالين لتركيا والوحدويين من أنصار حكومة الشيبي (1992-93) – وهي حكومة عمرها قصير؛ أدّى إلى تدهور حاد وربما فوري في العلاقات بين إيران وأذربيجان، أما حكومات حيدر علييف ونجله إلهام علييف التي تعاقبت على باكو لم تصل إلى درجة حكومة الشيبي في العداء مع طهران؛ لكن بالنسبة لإيران فإن إثارة النزعة الانفصالية بين الملايين من الإيرانيين الآذريين يعُد خطرًا وجوديًا، كما أن العلاقات القوية بين أذربيجان وعدو إيران اللدود (إسرائيل) على مدار الأعوام العشرة الماضية؛ أدّت إلى تعميق الشك بين باكو وطهران.

علاوة على ذلك كانت هناك عوامل داخلية أدّت إلى تعقيد الوضع، وقد استضافت إيران أعدادًا هائلة من الأرمن والآذريين، وعلى الرغم من أن عدد الآذريين قد فاق عدد الأرمن حتى صار يمثل 25% من تعداد إيران؛ إلا أن الأرمن المحليين لعبوا دورًا هامًا في دعم الهوية الوطنية لإيران، أما النظام الإسلامي للجمهورية الإيرانية فقد جعل من الأرمن رمزًا لل”أقلية النموذجية” في إيران، حيث أعطى الأقلية المسيحية امتيازات فريدة (مثل السماح لهم بإنتاج واستهلاك المشروبات الكحولية)؛ وذلك بغرض إظهار التسامح الإثني والصفات الحسنة التي تتمتع بها البلاد، بينما ظلت الأقلية الآذرية مصدر اضطرابات وهو ما ظلت طهران تخشاه على الدوام، وقد قام الموالون لأذربيجان بالعديد من الاحتجاجات في الشمال الغربي من إيران؛ وذلك إبان حرب ناغورني كارباخ التي اندلعت الخريف الماضي، تلك الاحتجاجات التي قوبلت بقمع شديد من قوات الأمن الإيرانية، ولم يكن هناك تهديد حقيقي بالانفصال بين الإيرانيين الآذريين، لكن الأمر اقتصر على احتمالية فرض قيود على الدور الذي تلعبه طهران تجاه قضية كاراباخ.

ومن الصعب أن نتصور إمكانية قيام إيران إيران بلعب دور تجاه أرمينيا وأذربيجان حتى ولو أرادت طهران ذلك، وقد تمثّل منهج طهران في التعامل مع دول الشرق الأوسط – من العراق إلى اليمن وسوريا -، تمثّل في فرض السيطرة عبر وكلاء من الميليشيات التي تعمل مستقلة عن أنظمة الحكم

وهذا النموذج يعتمد على الدول التي تعاني من اختلال وظيفي ولا تستطيع السيطرة على أراضيها؛ وهو النموذج الغير موجود في أيًا من أرمينيا أو أذربيجان، حتى فيما يخص الجبهة العسكرية؛ فإن أنواع الميليشيات الطائفية التي تستخدمها طهران لدعم حلفائها في الحرب الأهلية السورية؛ لن تكون ذات أهمية تُذكر على جبهة كاراباخ التي تتميّز المواجهة فيها أنها بين جيشين نظاميين مكتملي الأركان؛ وليس بين جماعات مسلحة أتت من هنا وهناك، وهناك دليل واضح على تلك المسألة وهو المرتزقة السوريين الذين نشرتهم تركيا على جبهة كاراباخ الخريف الماضي، الذين لم يفعلوا شيئًا وهلك السواد الأعظم منهم بفعل نيران المدفعية.

والمناشدات الدبلوماسية التي قامت بها إيران أثناء الحرب الاخيرة وبعدها لم تلقى قبولًا، وكانت طهران قد عرضت الوساطة في خضم الحرب منتصف أكتوبر الماضي لكنها لم تلقى ردًا من يريفان أو باكو، وخلال فترة ما بعد الحرب استمر الفشل الإيراني؛ وظلت روسيا تلعب الدور الأبرز في المنطقة؛ بينما سعت كل من الولايات المتحدة وفرنسا (وتركيا بدرجة أقل) إلى تدعيم دور كل منهم فيما يخص نتائج الحرب والوضع بعد انتهاء الصراع.

ومن ثم فإن هناك مجموعة من العوامل الداخلية والدولية شبه الثابتة؛ التي تمنع الجمهورية الإسلامية من ممارسة إلا القليل من النفوذ فيما يتعلق بأرمينيا وأذربيجان خاصة النزاع في كاراباخ، وبالنظر إلى قوة تلك العوامل فقد بات الأمل ضعيفًا في قيام طهران بتغيير هذا الوضع في المستقبل المنظور، وقد حكمت إيران منطقة القوقاز على مدار قرون لكن تلك الأيام قد ولّت بلا عودة.

 

نيل هاور، محلل أمني يقيم حاليًا بمدينة ستيباناكيرت في ناغورني قره باغ، حيث يقوم بمتابعة الحرب بين أرمينيا واذربيجان، وهو في الأصل يقيم في مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، ويتركز عمله حول السياسة والأقليات والعنف في منطقة القوقاز إلى جانب قضايا أخرى.