التوترات متبادلة بين إيران وإسرائيل لأنهما يواجهان نفس المشكلة: إنهما بحاجة إلى صرف الأنظار الىمشاكلهما الداخلية.

دنيانيش كامات

AFP Photo: Atta Kenare

هناك أمرٌ مشترك بين إسرائيل وإيران، فكلاهما يواجه حالة من عدم الاستقرار الداخلي على مدار الأيام العشرة الماضية، واندلعت الاحتجاجات في “100” مدينة على الأقل في إيران، وهو ما أزعج النظام في طهران بوضوح، ليس فقط بسبب حجم الاحتجاجات، ولكن لأن المتظاهرين يشكلون جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، ويطالبون صراحة بإسقاط النظام. وفي تل أبيب، يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو جاهدًا لإنقاذ مسيرته السياسية، حيث يواجه تهم الرشوة والاحتيال. وفي هذه الحالة، من المرجح أن تصعد كلٌ من طهران وتل أبيب التوترات بينهما، ويصرفا الأنظار عن مشاكلهما الداخلية.

وفي إيران، اندلعت الاحتجاجات بعد أن أعلنت الحكومة عن زيادة مفاجئة في أسعار الوقود للتخفيف من تأثير العقوبات الأمريكية. وبقسوته المعهودة، تصدى النظام لتلك الاحتجاجات، مما أسفر عن مقتل 100 شخص على الأقل، واعتقال أكثر من 1000، بالإضافة إلى قطع خدمة الإنترنت، مما أدى إلى عزل 83 مليون إيراني عن العالم الخارجي.

وقد ندد المرشد الأعلى “آية الله علي خامنئي” بالمتظاهرين، ووصفهم بالمجرمين، بينما اتهمهم الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية “محمد جواد ظريف” بالعمالة لصالح القوى الأجنبية.

وبخلاف السبب الرسمي لرفع أسعار الوقود، قد يكون مجرد دافع سياسي وراء الاحتجاجات.

وربما يكون الرئيس روحاني قد قدر أن المحتجين بسبب الوقود سيصبون لجام غضبهم على فيلق الحرس الثوري الإسلامي (الحرس الثوري الإيراني) وخامنئي، الأمر الذي قد يجبرهم على تقديم تنازلات بشأن القضية النووية، مما يؤدي إلى تخفيف العقوبات الأمريكية، وجميعها أمور ستصب في صالح روحاني في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية في شباط/ فبراير.

فإذا كان هذا هو الحال بالفعل، فقد جاءت بنتائج عكسية مذهلة؛ حيث دعا المحتجون إلى استقالة روحاني.

وبدلاً من ذلك، كان بإمكان المحافظين في القيادة استخدام أسعار الوقود لإضعاف روحاني قبل الانتخابات. وعلى الرغم من دعم خامنئي لارتفاع الأسعار، إلا إنه حاول أن ينأى بنفسه عن الأمر، قائلاً إنه ليس خبيرًا في الدعم الخاص بقطاع البنزين. وهذا العذر لم ينطلي على أحد، حيث صب المتظاهرين غضبهم على “النظام” بأكمله، أو المؤسسة السياسية بأكملها، ولهذا تجمعت جميع فصائل النخبة السياسية الإيرانية ضد المتظاهرين.

قد لا تؤدي الاحتجاجات إلى تغيير النظام، كما يريد اليمين الأمريكي، ولكن، بالإضافة إلى الاحتجاجات المماثلة في العراق ولبنان ضد التدخل الإيراني في شؤونهم الداخلية، أصبحت الاحتجاجات في إيران تشكل تهديدًا وجوديًا على المدى البعيد للنظام الإيراني.

يستمد النظام، وعلى رأسه رجال الدين، شرعيته في الأمور المحلية والإقليمية من حقيقة أن النظام يرى في نفسه المدافع عن المستضعفين (المظلوم) من بطش المستكبرين (الظالمين). وجاءت الاحتجاجات الأخيرة في إيران والعراق ولبنان لتدحض هذا الافتراض، لأن من يقود تلك الاحتجاجات هي نفس الطبقة العاملة التي يزعم النظام أنه يدافع عنها – وهم الأشخاص الذين بات النظام يدين أفعالهم، وسيعاقبهم بمزيد من العنف في المستقبل ما لم يصبوا غضبهم في مكان آخر. وعلى مدار الأشهر القليلة المقبلة، سيزيد النظام على الأرجح من حجم وشدة الهجمات التي يشنها الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه من الميليشيات على إسرائيل.

وفي إسرائيل، يواجه رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” هو الآخر تهديدًا وجوديًا لمسيرته السياسية، وذلك بعد اتهامه في 21 تشرين الثاني /نوفمبر بتهمتي الرشوة والاحتيال. وكانت الانتخابات في سبتمبر غير حاسمة، وحتى الآن فشلت محاولات “نتنياهو” في إقناع “بيني جانتس”، زعيم ثاني أكبر حزب، بتشكيل ائتلاف كبير. ويحاول نتنياهو الآن إجبار “غانتس” على تشكيل حكومة معه من خلال سلسلة من التحركات العسكرية الجريئة في المنطقة؛ لأن وجود حكومة غير مستقرة في وقت النزاع العسكري سيضع “غانتس” في موقف سيء.

وفي 19 تشرين الثاني / نوفمبر، هاجمت إسرائيل أهدافًا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في سوريا، مما أدى إلى مقتل 23 شخصًا، معظمهم من الإيرانيين. وجاء هذا الهجوم ردًا على الهجمات الصاروخية التي شنتها الميليشيات المتحالفة مع الحرس الثوري الإيراني، أو شنها الحرس الثوري الإيراني ذاته على إسرائيل من داخل سوريا، غير أن نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي تصدى لجميع الهجمات.

وكان الانتقام الإسرائيلي لم يسبق له مثيل، وغير مكافئ تقريباً بسبب الكم الهائل من الأهداف المستهدفة، والتي شملت مستودعات الأسلحة والقواعد العسكرية وبطاريات الدفاع الجوي. ومن أحد الأهداف، على سبيل المثال، كانت قاعدة إيرانية بالقرب من مطار دمشق، وهو مكان معروف ومخصص لاجتماعات كبار المسؤولين الإيرانيين. وفي الأسبوع السابق، قتلت إسرائيل قائداً بارزاً من جماعة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وهي جماعة متحالفة مع إيران في قطاع غزة، مما أدى إلى قتال عنيف استمر يومين، وقد تم فيه قتل 34 فلسطينياً، وإطلاق أكثر من 450 صاروخاً على إسرائيل (بدون خسائر إسرائيلية).

وفي شهر تشرين الأول / أكتوبر، أعلن نتنياهو أن التهديد الإيراني للأمن الإسرائيلي لا ينبع الآن من إيران فحسب، بل وأيضاً من العراق، وحتى من أبعد الأماكن مثل اليمن، مما يشير إلى أن إسرائيل باتت جاهزة لتوسيع مسرح عملها العسكري ضد إيران.

وهذا قد يؤدي إلى بدء دورة خطيرة من تكثيف العمليات العسكرية المتبادلة بين طهران وتل أبيب، حيث تسعى الأنظمة الحاكمة في كلا البلدين إلى صرف انتباه شعوبهما عن الفشل الداخلي. وستشهد المنطقة شتاءًا لا يمكن التنبؤ بمخاطره.

 

دنيانيش كامات، محللاً سياسيًا في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم أيضًا استشارات للحكومات حول المبادرات السياسية والإستراتيجية لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.