يرجع الفضل في تكوين السياسة الهندية تجاه الشرق الأوسط إلى فترة “فاجبايي”

حسن الحسن

بالرغم من أن “أتال بيهاري فاجبايي”، رئيس الوزراء الأسبق والشخصية البارزة في الحزب القومي الهندوسي “بهاراتيا جاناتا”، قد رحل عن عالمنا، إلا أن الكثير من سياسته تجاه الشرق الأوسط ماتزال قائمة. وقد ترأس “فاجبايي” أول حكومة هندية يقودها الهندوس وأكمل مدته البالغة خمس سنوات. وتزامنت فترة رئاسته للحكومة، ما بين 1998 إلى 2004، مع تلك الفترة التي شهدت تحولاً مثيرًا في منطقة الشرق الأوسط، ودفعت قراراته خلال تلك الفترة بالهند إلى مرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط ناهيًا بذلك ما يربو على خمسين عامًا من سياسة عدم الانحياز التي أقرها “نهرو”. وبالرغم من طبيعته المثيرة للجدل غالبًا، الا ان سياسته تجاه الشرق الأوسط قد جعلت للهند مكانة مؤثرة في المنطقة.

وبالنسبة للهند، يمكن وصف المدة التي قضاها “فاجبايي” في منصبه بأنها فترة الاستعداد للواقع الجديد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط. وقبل أن يشغل “فاجبايي” منصبه، كانت الهند تركز سياستها في منطقة الشرق الأوسط على العلاقات الشخصية “لجواهر لال نهرو” مع الرئيس المصري “جمال عبد الناصر”، وبعد ذلك، مع حزب البعث العراقي.

ورغم ذلك، بدلت حكومة “فاجبايي” سياسة الهند في الشرق الأوسط رأسًا على عقب، وعجلت في تنفيذ خطة السياسة الخارجية للهند والذي تبنته الدولة مع نهاية الحرب الباردة. وكان أول تلك التحولات في السياسة الخارجية هو المستوى الجديد الذي شهدته العلاقة بين إسرائيل وحكومة “فاجبايي”، وبالرغم من ارتباط الحكومة الهندية بعلاقات عادية مع إسرائيل في العام 1992، إلا أن الحكومات الهندية المتعاقبة أبقت العلاقات الهندية الإسرائيلية طي الكتمان مخافة إثارة الانتقادات الداخلية أو إثارة سخط الدول العربية.

ورغم ذلك، كان لفاجبايي رأي آخر، فقد رفعت حكومته مستوى العلاقات الإسرائيلية الهندية إلى مستوى غير مسبوق، ولاسيما بعد أن وجدت الهند في إسرائيل الشريك الأمني خلال حرب كارجيل والتي دارت رحاها بين الهند وباكستان في العام 1999. وللتعرف على تلك العلاقات، استحدث “فاجبايي” منصبًا جديدًا وهو منصب مستشار الأمن القومي، وتولى هذا المنصب “براجيش ميشرا”. وساعد تعيين “ميشرا”، والذي كان أحد المقربين إلى “فاجبايي” ومعروف عنه وجهات نظره المؤيد لإسرائيل، في مجاراة وزارة الشئون الخارجية المحافظة والتي عُرف عنها تعاطفها مع القضية الفلسطينية منذ مدة طويلة.

ونتيجة لذلك، ازدهرت العلاقات الهندية الإسرائيلية، وخلال الفترة ما بين 2000 وحتى 2003، تبادل الجانبان الزيارات الرسمية وهو ما يُفسر مدى العلاقات بين الدولتين. واشتملت تلك الزيارات الرسمية على ثلاثة وفود على الأقل إلى تل أبيب وترأس تلك الوفود أعضاء مجلس الوزراء الهندي. وأبرز ما في الأمر هو زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي “أرئيل شارون” إلى نيوديلهي في سبتمبر 2003، والتي تمت رغم أن “أرئيل شارون” في نظر الكثيرين ومنهم الهند مجرم حرب.

وبخلاف إسرائيل، كان لرغبة “فاجبايي” في إقامة علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة تداعيات إقليمية، فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بفترة قصيرة، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش عن الحرب العالمية على الإرهاب وكانت حكومة “فاجبايي” بأكملها حريصة على دعم تلك الحرب. وزاد الدعم الهندي لتلك الحرب بعدما تعرضت نيودلهي هي الأخرى، بعد مرور شهرين على هجمات نيويورك وواشنطن، لهجمات إرهابية استهدفت البرلمان من قبل مسلحون يشتبه أنهم من كشمير.

ونتيجة لذلك، أصبحت حكومة “فاجبايي” متفقة أكثر – ما بين شهري فبراير ويوليو 2003 – مع السياسة الكارثية للولايات المتحدة في العراق. ونظرًا لحاجة الولايات المتحدة الأمريكية الماسة إلى الشرعية الدولية، فقد ضغطت على الهند للمشاركة بكتيبة لحفظ السلام قوامها 15,000-20,000 جندي للمساعدة في إدارة بعثة حفظ الاستقرار في العراق الذي دمرته الحرب. وفي محاولة واضحة للتودد إلى إدارة “بوش” وإظهار نفسها كقوة عالمية، ابدت حكومة “فاجبايي” استعدادها للموافقة على الطلب الأمريكي. ورغم ذلك، وفي نهاية الأمر، كان إرث الصداقة الهندية مع صدام حسين، ومشهد الجنود الهنود وهو يصوبون نيران بنادقهم نحو المدنيين العراقيين كافيًا بأن يثني حكومة “فاجبايي” عن وضع قواته تحت إمرة الولايات المتحدة في العراق.

وفي مكان آخر في دول الخليج، كانت حكومة “فاجبايي” مستعدة أيضًا لإقامة علاقات أوثق مع المملكة العربية السعودية، ففي يناير من العام 2003، زار وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير “سعود بن فيصل” نيودلهي، ناهيًا بذلك رتابة عقد من التوتر بين الهند والسعودية، وكان الهدف من زيارته هو السعي لإقامة آلية للحوار بين الرياض ونيودلهي، ورغم التأثير البسيط لهذه الزيارة خلال تلك الفترة، إلا أنها مهدت الطريق للتحول في العلاقات الهندية السعودية وهو ما تجسد لاحقًا في زيارة الملك الراحل “عبدالله بن عبد العزيز” والذي تولى مقاليد الحكم في العام 2005.

وبالرغم من ذلك، لم يمنع تقارب حكومة “فاجبايي” إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتودد إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية من السعي لتحسين علاقتها بإيران. ففي العام 2001، ترأس “فاجبايي” وفدًا إلى طهران، وخلال هذه الزيارة وقع الطرفان “إعلان طهران” والذي يؤكد على الروابط الحضارية بين البلدين. وبعد مرور عامين، رد الرئيس الإيراني “محمد خاتمي” تلك الزيارة من خلال حضوره احتفال يوم جهورية الهند بصفته ضيف شرف. وتوجت زيارة “خاتمي” بـ”إعلان نيودلهي العام 2003″، ويطرح هذا الإعلان بيانًا غير مسبوق حول العلاقات الهندية الإيرانية وخارطة طريق معتمدة للتعاون الإستراتيجي، وجاء هذا كله في ظل انشغال الرئيس “بوش” بالإعلان عن أن “إيران” عضوًا في محور الشر.

وأخيرًا، وبالرغم من أن سياسات حكومة “فاجبايي” في الشرق الأوسط كانت مثيرة للجدل في وقتها، إلا أنها ساعدت يقينًا في إعادة تشكيل مكانة الهند في منطقة الشرق الأوسط. وخلال فترة رئاسته للحكومة الهندية، زادة العلاقة أكثر فأكثر مع إسرائيل وإيران – وبدرجة أقل- مع دول الخليج. وبالرغم من مراجعته في وقت لاحق لبعض جوانبه السياسية، كعلاقته مع إيران، الا ان سياسته الخارجية مازالت مؤثرة على السياسة الخارجية للهند حتى يومنا هذا. وفي النهاية، وبالرغم من أن “فاجبايي” قد يكون رحل عنا، سيظل إرثه وما يمثله بالنظر إلى مكانة الهند في المنطقة باقيًا لسنوات عدة.

يعمل “حسن الحسن” باحثً دكتور في كلية “كجنز” في لندن، وجامعة سنغافورة الوطنية، وينصب عمله على السياسة الخارجية الهندية في الشرق الأوسط. وعمل سابقًا كبير المحللين لدى مكتب النائب الأول لرئيس الوزراء البحريني.

AFP PHOTO/RAVI RAVEENDRAN