الهند تعمل على تفكيك الإنترنت

جوزيف دانا

AFP photo: Narinder Nanu

تواجه أكبر ديمقراطية على مستوى العالم مشكلة في الإنترنت، وبمعنى أدق فإنها تواجه مشكلة مع الرقابة على الإنترنت، وبينما اعتادت العيون على النظر إلى القوى البعيدة المتمثلة في عمالقة الإنترنت بوادي السيليكون؛ فإن حكومة ناريندرا مودي تعمل بثبات على قمع الحريات الأساسية الخاصة بالإنترنت على مستوى الهند التي يزيد عدد سكانها على مليار نسمة – كما تعمل على إرسال رسالة تحذير مفيدة لباقي دول العالم مفادها أن الاتصالات التي توفرها التكنولوجيا الرقمية لا يجب التعامل معها بثقة مُطلقة.

وتمثّل آخر مشاهد الاستبداد المتصاعد فيما يخص المجال الرقمي في الحملات الجديدة التي تستهدف العملات الرقمية مثل “بيتكوين”، وسيتم طرح مشروع قانون على البرلمان قريبًا بتجريم كل من يقوم بحيازة أو إصدار أو نقل العملات الرقمية أو التعامل في التجارة والتعدين باستخدامها، ويعتقد المحللون أن مشروع القانون المُقترح سيتم التصديق عليه ويصبح نافذًا، وهو ما يعني أن الهند سيصبح لديها بعض أكثر قوانين العملات الرقمية صرامة على مستوى العالم، وحتى الصين التي تمنع التجارة باستخدام العملات الرقمية لم تعمل على تجريم من يمتلك تلك العملات، وبمجرد دخول القانون حيز التنفيذ سيكون أمام المواطنين الهنود مهلة قدرها 6 أشهُر لتسوية أوضاعهم فيما يخص التعامل بالعملات الرقمية أو مواجهة السجن لمدة قد تزيد على 10 سنوات.

ويعُد قانون العملات الرقمية الجديد واحدًا من سلسلة من الأنشطة التي قامت بها الحكومة على مدار العام الماضي، ولأن الهند تجتذب الاستثمارات بشكل متصاعد من شركات التكنولوجيا الأجنبية فقد مضت الحكومة قدمًا في إقرار قانون يجبر الشركات على مشاركة البيانات مع الدولة أو مواجهة الإغلاق، وقد تم الإعداد لهذا التشريع على مدار سنوات، لكن تركيز وسائل التواصل الاجتماعي على مستوى العالم تركّز حول احتجاجات المزارعين الهنود على ثلاثة قوانين زراعية التي بدا وكأنها تؤتي ثمارها، وفي فبراير حاولت حكومة دلهي الحصول على المنشورات المتعلقة باحتجاجات المزارعين والتي تمت إزالتها من موقع تويتر.

والتشريع الجديد يهدف إلى توفير المزيد من السيطرة للحكومة على واتساب؛ وهي منصة الرسائل المشفرة التي تعُد بمثابة شريان الحياة للإنترنت على مستوى الهند، وذلك عبر إجبار فيسبوك وهو مالك منصة واتساب على مشاركة المعلومات الحساسة مثل الكشف عن “الشخص الذي بدأ إرسال الرسالة” من الأصل، والهند ليست أولى الدول التي تقر مثل هذا التشريع، لكنها الدولة الأولى التي أظهرت إرادتها من أجل تحويل الأقوال إلى أفعال.

وتحدّث دونالد ترامب كثيرًا عن صفقة كبرى تتعلّق بمنع الولايات المتحدة منصة الفيديوهات الشهيرة التي تمتلكها الصين تيك توك، لكن ترامب لم ينجح فعليًا في تحقيق ذلك على الإطلاق، وعلى أي حال فقد نجحت الهند في تحقيق ذلك خلال يونيو الماضي، فمع تصاعُد التوتر على الحدود الهندية الصينية أقدمت الهند على منع تطبيق تيك توك بالإضافة إلى 58 تطبيقًا صينيًا آخر، أما المطالب الهندية الخاصة بالخصوصية والأمن فقد استُخدِمت فيها ذات اللغة التي تمت بها صياغة التشريع المُرتقب الذي يستهدف الشركات الغربية.

وفي ذات الوقت فإن الشركات الأجنبية لا تزال تستثمر في القطاع الصناعي الهندي، وعلى سبيل المثال؛ فإن شركة آبل بدأت تصنيع الهواتف الذكية في الهند خلال العام 2017، كما أعلنت الشركة مؤخرًا عن خطط لتصنيع المزيد من هاتف آي فون 12 في الهند من أجل تدعيم مكانة الشركة في سوق الهواتف الذكية الهندي الذي يعُد مُربِحًا، ولو تم المضي في تصنيع هواتف آي فون في الهند فإن ذلك الأمر سيوفر للحكومة المزيد من السيطرة على ما ترغب في السماح بدخوله إلى سوق الهواتف الذكية في الداخل الهندي.

وتعُد الهند ذا طبيعة خاصة فيما يتعلّق بإصرارها على شروط محددة يجب أن تمتثل لها شركات التكنولوجيا التي تعمل داخل أراضيها، وما من شخص يمكن أن يشكك في حق الدول ذات السيادة في إقرار التشريعات التي تعتبرها الدولة من صميم المصالح الوطنية، وعلى أي حال فإن طبيعة القوانين والآثار الناتجة عن تطبيقها تعدان من العوامل الهامة بالنسبة للمجتمعات الحرة والديمقراطية، والواقع أن تطور وسلوك ونفوذ شركات التكنولوجيا تعُد من الموضوعات التي دار حولها نقاشات على مستوى واسع في أوربا والولايات المتحدة، وهذا الأمر يمثّل أهمية بالنسبة لمسألة التنمية المستدامة في القطاع التكنولوجي، مع الوصول إلى مستوى جيد من التوازن بين الابتكار والأمن الشخصي.

وهذا يعُد أحد الأسباب لأهمية مراقبة التطورات في الهند، وباعتبارها أكبر ديمقراطية على مستوى العالم وأحد أهم الأسواق الواعدة فإن أسلوب تعامل الهند مع الإنترنت المفتوح وحقوق الأشخاص في استخدام التكنولوجيا بالشكل المناسب لهم سيكون له تبعات جوهرية وهامة على مستوى العالم، علاوة على ذلك فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن شركات التكنولوجيا لا تعمل بالضرورة للحصول على رضاء المستهلك، وقد نجحت شركة آبل في تأسيس إحدى أكبر العلامات التجارية القيّمة على مستوى العالم فيما يخص الالتزام بخصوصية المستخدمين (والمشروعات النظيفة)، واليوم فإن إصدار قوانين بتشديد الرقابة على الإنترنت ومنع التطبيقات مثل تيك توك وكذا العملية المرتقبة والخاصة بمنع الهند للعملات الرقمية؛ كل ذلك لم يفت في عضد شركة آبل التي تنوي زيادة المشروعات الصناعية على الأراضي الهندية.

وقد شعر النشطاء في مجال الحقوق الرقمية والإنترنت المفتوح بالرعب حينما هدّد ترامب بمنع تيك توك ووضع قيود على بعض المجالات الأخرى المعنية بالإنترنت في الولايات المتحدة، واليوم لا توجد ردود فعل على قرار الهند الذي يحذو حذو ما فشل ترامب في تحقيقه.

وإذا ما أصرّت الهند على المضي قدمًا وإقرار القوانين الجديدة سيكون لهذا القرار تبعات قوية ومفزعة لن تقتصر على الداخل الهندي، وسيكون من السهل حينها على الدول الأخرى أن تحذو حذو الهند، وستفكر شركات التكنولوجيا مرتين حول مخاطر دخول تلك الأسواق الضخمة، وربما يؤدي الأمر في النهاية إلى القضاء على الإنترنت.

 

جوزيف دانا هو كبير المحررين في جريدة اكسبشنل فيو، وهي جريدة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. وقد شغل سابقًا منصب رئيس تحرير “إمرج – 85″، وهو معمل يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.