بإمكان الهند إيجاد أرضية مشتركة مع التكتل السعودي-الإماراتي، لكن الأمر لا يخلو من تعقيدات

حسن الحسن

منذ تولي الملك سلمان مقاليد الحكم في السعودية سنة 2015، وصعود ابنه ولي العهد محمد بن سلمان إلى السلطة، شكلت كل من السعودية والإمارات تكتلاً مهيباً. وبما أنهما قد عقدتا العزم على تغيير المنطقة، جابهت الدولتان كُلاًّ من إيران والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى قطر والجماعات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين. وفي منطقة تعد بالنسبة للهند مصدراً أساسياً للطاقة والتحويلات المالية ومستقبِلاً مهماً للعمالة، ما هو احتمال إيجاد الهند لأرضية مشتركة مع التكتل السعودي-الإماراتي الناشئ؟

نظراً لمصالحها المتنوعة في المنطقة، من غير المرجح أن تشجع الهند علناً الجهود السعودية-الإماراتية الأخيرة، والتي وصفتها بعض الصحف الهندية بـ”المتهورة”. لكن يبقى من المرجح أن ترحب نيودلهي بالحملة التي تشنها السعودية والإمارات على الجماعات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية، بالرغم من القلق الهندي بشأن حدة التصعيد بين البلدين وإيران وبشأن مقاطعتهما لقطر. ولطالما عارضت الهند الجماعات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية التي تعتبرها قوة راديكالية خطيرة، لاسيما في ولاية جامو وكشمير الهندية. ونتيجة لذلك، كان دعم السعودية للمجاهدين الأفغان ضد السوفيات خلال ثمانينات القرن العشرين مصدر توتر كبير في العلاقات الهندية-السعودية، حيث ألقت السلطات الهندية باللائمة على الأسلحة الأفغانية والمقاتلين الأفغان لتأجيجهم التمرد في كشمير بعد انتهاء الغزو السوفياتي. كما انتقدت الحكومة الهندية دعم السعودية للطائفة الديوبندية المحلية والمنظمات السلفية المسلمة في الهند التي تزعم الحكومة الهندية أن العديد منها حاضنات للتطرف.

لذلك عندما وعد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بـ”سحق” المتطرفين وبإعادة الإسلام المعتدل، كانت الحكومة الهندية تهلل فرحاً دون شك. فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، عملت كل من السعودية والإمارات على الوفاء بتعهد الأمير محمد، حيث شنت حملة غير مسبوقة في أرجاء المنطقة على الجماعات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية، بما فيها الإخوان المسلمين. ففي سنة 2014، قام البلدان بشكل رسمي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين على أنها منظمة إرهابية، ومنذ ذلك الحين، نقلا مناهضتهما للجماعة إلى عقر دارها في مصر حيث دعما الحملة التي قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي ضد الإخوان، وإلى ليبيا حيث أمنَّا غطاء جوياً لقوات القائد العسكري خليفة حفتر في مواجهته ضد الفصائل الإسلامية في طرابلس، ثم إلى قطر التي يرجع حصارهما لها جزئياً إلى علاقة الدوحة بالإخوان المسلمين. أما في اليمن، فيبدو أن السعودية والإمارات قد وحدتا صفوفهما مؤقتاً مع حزب “الإصلاح” اليمني، الذي يعد فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وذلك لهزيمة الحوثيين.

وعلاوة على القضاء على الجماعات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية، كثف التكتل السعودي-الإماراتي جهوده لتقويض النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. وتحقيقاً لهذه الغاية، شن التكتل حرباً في اليمن ضد الحوثيين (الذي تعتبرهم كل من السعودية والإمارات وكلاء لإيران)، وشجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعادة النظر في الاتفاق النووي مع إيران، كما دعم الزعماء القوميين في العراق، من قبيل رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لدحر النفوذ الإيراني. هذا وقد تعهد الأمير محمد مؤخراً عبر قناة تلفزيونية أمريكية بمضاهاة القدرات النووية الإيرانية في حال امتلكت إيران سلاحاً نووياً، موضحاً التزامه بالحفاظ على التكافؤ الاستراتيجي مع إيران.

وبالرغم من الاتجاه الجديد التي اتخذته السياسة الخارجية السعودية-الإماراتية، يرى العديد في نيودلهي أنه يجب على الهند الامتناع عن تبني موقف متحيز في النزاع الإقليمي نظراً لمصالح البلاد المشتركة مع إيران. إلا أن الصورة التقليدية للتوافق الاستراتيجي بين الهند وإيران يبدو أنها ستتغير. فقد دعمت إيران بشكل مكثف جهود طالبان للاستيلاء على الأراضي في أفغانستان، آملة في أن يستنزف هذا الأمر قوات حلف “الناتو” ويضعف الحكومة الأفغانية المدعومة من قبل الولايات المتحدة. في المقابل، سعت الهند نحو تحقيق تقارب أوثق مع الولايات المتحدة في أفغانستان، من خلال موافقتها على نقل مروحيات وأسلحة عسكرية إلى الحكومة الأفغانية. كما أن المعاملات التجارية الطاقية بين إيران والهند قد فشلت في الإقلاع بشكل كامل بعد الاتفاق النووي الإيراني في سنة 2015، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن شبح التهديدات الأمريكية في عهد ترامب لا زال يخيم على قطاع الطاقة الإيراني. هذا وقد لا تكون العلاقات الهندية الإيرانية كافية، كما ستدرك نيودلهي ذلك قريباً، لكبح قدرتها على تشكيل روابط أوثق مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات.

وبعيداً عن إيران، هناك مسألة مهمة غالباً ما يتم تجاهلها فيما يتعلق باحتمال إيجاد الهند لأرضية مشتركة مع التكتل السعودي-الإماراتي الناشئ، وهي قطر. إذ فرض السعوديون والإماراتيون حصاراً على قطر بلغت مدته تسعة أشهر، بعد اتهامهم للدوحة بأنها تواصل إيواء جماعة الإخوان المسلمين (التي يعتبرونها منظمة إرهابية) وإثارة السخط الشعبي عبر شبكة قنوات “الجزيرة”، على الرغم من اتفاق عام 2014 القاضي بعكس ذلك.

ولأن استقرار قطر يصب في مصلحتها، امتنعت الهند عن اتخاذ أي موقف متحيز. وفي ظل الشائعات الأولى حول النقص في إمدادات الغذاء والمياه في الدوحة، سعت الحكومة الهندية أولاً إلى الحصول على ضمانات من هذه الحكومات بخصوص سلامة ورفاه مواطنيها. ولأن قطر تعد مصدراً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال، كانت الهند متخوفة من أن يؤدي الحصار إلى قطع الإمدادات، وهو ما تم تجنبه إلى حد الآن. وللحفاظ على صورتها المحايدة، لن تقدم الهند الآن على تغيير موقفها بشكل كبير لصالح السياسة السعودية-الإماراتية في المنطقة.

في النهاية، يبدو أن الهند حريصة على تجنب الانحياز المطلق في المنطقة، بحيث قد يؤدي أي ارتباط وثيق بينها وبين التكتل السعودي-الإماراتي إلى تراجع العلاقات مع إيران أو قطر. إن التساؤلات حول ما إذا كانت الهند ستغير موقفها تجاه إيران وما إذا كان ذلك سيحدث في القريب العاجل، وما إذا كان النزاع مع قطر سينتهي، كلها أسئلة ستبقى مفتوحة في الوقت الراهن، بيد أنه نظراً لموقف السعودية والإمارات المعادي للجماعات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية، يُفترض أن تجد الهند هامشاً واسعاً للعمل مع كِلا الطرفين على أجندة مشتركة في المنطقة.

AFP PHOTO/HO/SPA