هل سيعصف الاقتتال الداخلي بين المتمردين في شمال غرب سوريا بالهدوء الهش

حايد حايد

Image courtesy of Omar Haj Kadour / AFP

أصبح الاقتتال الداخلي بين قوات المتمردين موضوعا متكررا على مدى الحرب الأهلية السورية، حيث أدت التحالفات المتغيرة بين الفصائل المسلحة إلى حدوث حجم كبير من الدمار في جميع أنحاء شمال البلاد.

لكن الجولة الأخيرة من الصراع، بين هيئة تحرير الشام وهي “الفرع السابق لتنظيم القاعدة الذي يسيطر على معظم محافظة إدلب”  و”الفيلق الثالث” وهو اندماج بين الفصائل المدعومة من تركيا، يمكن أن يكون من بين الأكثر الصراعات خطورة.

وسمح القتال، الذي بدأ في 11 أكتوبر لهيئة تحرير الشام بالاستيلاء على مدينة عفرين، وهي مدينة استراتيجية في ريف حلب كانت تحت سيطرة القوات المدعومة من تركيا منذ الاستيلاء عليها من القوات الكردية السورية في عام 2018. ولكن هدف هيئة تحرير الشام، التي يقودها القائد المسلح السوري أبو محمد الجولاني، يتجاوز مجرد التوسع الإقليمي، حيث تحاول الجماعة استغلال تلك الفرصة لإجبار الفيلق الثالث، مع جماعات أخرى، على الموافقة على الاندماج مع حكومة الإنقاذ، وهي هيكل مدني أنشأته هيئة تحرير الشام لمساعدتها على حكم أراضيها.

وفي حين أن إنشاء إدارة مدنية موحدة لجميع مناطق المتمردين قد لا يكون ممكنا الآن، فإن الاقتتال الداخلي المستمر سيعيد بلا شك رسم ملامح ديناميكيات السلطة في شمال غرب سوريا.

وقد اندلعت الاشتباكات الجديدة بسبب اغتيال ناشط سوري بارز وزوجته الحامل في 7 أكتوبر، في منطقة “الباب”، ووجد التحقيق، الذي قاده الفيلق الثالث من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، أدلة على أن الضحايا قتلوا على يد فرقة اغتيال مرتبطة بفرقة حمزة، وهي مجموعة أخرى من الجيش الوطني السوري.

وحاول الفيلق الثالث الاستفادة من الغضب الشعبي الناجم عن معرفة مرتكب الجريمة وأطلق حملة لحل فرقة حمزة، وبدءا من مقر الجماعة في الباب، وتحالفت هيئة تحرير الشام، التي رأت في الاشتباكات فرصة لتوسيع نفوذها، مع فرقة حمزة. كما انضمت فرقة السلطان سليمان شاه، وهي مجموعة سيئة السمعة تابعة للجيش الوطني السوري، إلى ذلك التحالف لتسوية حسابات سابقة مع الفيلق الثالث.

وفي حين حقق الفيلق الثالث نجاحا أوليا ضد فرقة حمزة، إلا أن تدخل هيئة تحرير الشام سرعان ما رجح كفة الميزان لصالح الفرقة، وفي غضون ساعات، سيطرت هيئة تحرير الشام وحلفاؤها على عفرين والمناطق المحيطة بها.

ولا يُعد انتصار هيئة تحرير الشام السريع مفاجأة، وذلك بسبب أن الجماعة هي إلى حد بعيد أقوى فصيل متمرد متبق في شمال غرب سوريا بسبب حجمها وانضباطها وهيكلها الموحد وأسلحتها، بالإضافة إلى ذلك، تتمتع هيئة تحرير الشام بتاريخ طويل من التوسط في الاتفاقات لتقسيم وتحييد أعدائها. وبمجرد بدء القتال، أفادت التقارير أن الجماعة تواصلت مع الفصائل داخل كل من الفيلق الثالث والجيش الوطني السوري لضمان عدم انضمامها إلى المعركة.

لكن أيا من ذلك لم يكن ممكنا لولا رد تركيا اللامبالي على التوغل الأخير لهيئة تحرير الشام، ولطالما سعت هيئة تحرير الشام إلى لعب دور اقتصادي وأمني أوسع في مناطق خارج إدلب، ولكن حتى هذا الشهر، منعت تركيا الجماعة من تحقيق ذلك. وكان هذا واضحا في شهر يونيو الماضي، عندما ورد أن تركيا طلبت من هيئة تحرير الشام الانسحاب من جنوب غرب عفرين بعد فترة وجيزة من إنشاء موطئ قدم لها هناك.

لكن هذه المرة، لم تعترض تركيا، وقد فسر الكثيرون عدم الاستجابة على أنه ضوء أخضر لهيئة تحرير الشام لمحاولة تحقيق الاستقرار في المنطقة، التي تعاني من الفوضى وانعدام الأمن.

ولكن لا يبدو أن أنقرة مستعدة للسماح لهيئة تحرير الشام بتجاوز مدينة عفرين، حيث ذكرت مصادر مختلفة أنه في 14أكتوبر، استخدمت تركيا نفوذها للتوسط في هدنة بين هيئة تحرير الشام والفيلق الثالث. وعلى الرغم من توقف القتال لفترة وجيزة، لكن اندلعت الاشتباكات مرة أخرى بقوة، وسرعان ما تقدمت هيئة تحرير الشام نحو كفر جانا، فيما بدا أنه خطوة للاستيلاء على منطقة أعزاز، شمال شرق عفرين بالقرب من الحدود التركية.

وقد دفعت قدرة هيئة تحرير الشام على تحقيق مكاسب سريعة تركيا إلى التدخل مرة أخرى. ودعت أنقرة هيئة تحرير الشام إلى الانسحاب من كفر جانا. وعلى عكس عفرين، فإن استيلاء هيئة تحرير الشام على منطقة أعزاز يمكن أن يثير المزيد من المقاومة الشعبية، ويعرقل عمليات المساعدات الدولية، ويقوض العاصمة الإدارية للحكومة المؤقتة للمعارضة.

وأيا كان ما سيحدث بعد ذلك، فقد حققت هيئة تحرير الشام بالفعل العديد من المكاسب الاستراتيجية التي يصعب انتزاعها منها. أولا، أنشأت موطئ قدم لها خارج إدلب، مما يمثل بداية مرحلة توسع محتملة، وفي حين أن الهدف التالي للحملة القادمة قد يكون أعزاز، إلا أنه ليس هناك شك في رغبة التنظيم في توسيع نفوذه ليشمل المناطق الأخرى التي يسيطر عليها المتمردون في الشرق.

وثانيا، من المرجح أن تسمح المكاسب الأخيرة لحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام باستمالة الحكم المحلي في عفرين وحولها، ومن شأن القيام بذلك أن يعزز هدف هيئة تحرير الشام المتمثل في إنشاء هيكل إداري موحد لجميع المناطق التي يسيطر عليها المتمردون.

ثالثا، من المرجح أن يسمح توسع هيئة تحرير الشام إلى عفرين للجماعة بإعادة رسم ملامح علاقتها مع تركيا، حيث تعتبر  الجماعة حاليا القوة الوحيدة القادرة على إعادة تشكيل شمال غرب سوريا.

وأخيرا، أدت الاشتباكات الأخيرة إلى زيادة الاستقطاب والانقسام بين المنافس الرئيسي لهيئة تحرير الشام  وهو الجيش الوطني السوري. ونتيجة لذلك، لم تعد قيادة «الجيش الوطني السوري» قادرة على التوسط أو حل المشاكل بين اجنحته، وهو الأمر الذي سيسهل استراتيجية «فرق تسد» التي تنتهجها «هيئة تحرير الشام».

وعلى الرغم من أنه لا يمكن لأحد التنبؤ على وجه الدقة بما يخبئه الغد لشمال غرب سوريا، إلا أن قبضة هيئة تحرير الشام المشددة على المنطقة سيكون لها تداعيات خطيرة على من يعيش هناك. ومن المرجح أن يؤدي تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، من قبل العديد من الحكومات بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا، إلى تقليل عدد المنظمات الإنسانية الراغبة في العمل داخل مناطق سيطرتها، كما أنه سيعزز خطاب النظام حول مكافحة الإرهاب، تاركا المدنيين يدفعون ثمن طموح هيئة تحرير الشام.

 

 الدكتور حايد حايد هو كاتب عمود سوري وزميل استشاري مشارك في برنامج تشاتام هاوس للشرق الأوسط وشمال أفريقيا.