في سوريا: رسالة لمدوني الفيديوهات (مشاهير اليوتيوب) – ما خفي كان أعظم

حايد حايد

Image courtesy of Delil Souleiman / AFP

تلقى بنجامين ريتش، وهو مدون فيديو بريطاني ومعروف بأن لديه أكثر من 3.6 مليون مشترك على قناة اليوتيوب تحت أسم “جريء ومفلس Bald and Bankrupt”، رسالة عبر منصة “إنستغرام Instagram  ”  من شخص غير معروف أطلق على نفسه اسم أيوب في وقت سابق من هذا العام، وكانت فحوى تلك الرسالة: هل تود القيام بجولة في سوريا؟ أعتقد أنك ستقضي وقتا طيبا.”

فكان رد بنجامين ريتش: “بكل تأكيد” وسافر “الجريء والمفلس” من لبنان إلى سوريا في شهر ابريل، حيث زار مباراة لكرة قدم في دمشق، وفندقًا تعرض للقصف في مدينة معلولا، وصالون حلاقة في حلب، ومنذ ذلك الحين، شوهد مقطع الفيديو الخاص به لتلك الرحلة أكثر من 3.2 مليون مرة.

وليس ريتش هو مدوِّن الفيديو الوحيد الذي تلقى مثل تلك الدعوة العشوائية في الأشهر الماضية، فقد زار ما لا يقل عن 10 مدونين آخرين أجانب سوريا منذ بداية عام 2022، بما في ذلك سيمون ويلسون، وجانيت نيونهام، وجوخان يلدريم، وتوماس براغ، الذين شوهدت رحلته التي استمرت سبعة أيام في شهر يوليو لما يقرب من 2.6 مليون مرة.

وتتميز مقاطع الفيديو تلك بالتشويق والإثارة للمشاهدين وتشتمل على رحلات جذابة بصريًا عبر إحدى أقدم الحضارات في العالم. لكنها أيضًا جزء خفي من آلة الدعاية العالمية للنظام السوري، وهو ما يفسر سبب الترحيب من قبل صاحب الدار بهم بأذرع مفتوحة، ومقابل توفير خدمات كبار الضيوف والحقوق الحصرية، يقوم منشئو المحتوى عن غير قصد بتمثيل الحكومة كسفراء بحكم الأمر الواقع، ويرددون كالببغاوات رواية غير مؤكدة تحكي عن انفتاح سوريا مرة أخرى للعالم.

وكانت سوريا قبل الحرب واحدة من أكثر الوجهات السياحية شعبية في الشرق الأوسط، مع عدد لا يحصى من الكنوز الأثرية، وزار ما يقدر بنحو 8.5 مليون سائح أجنبي البلاد في عام 2010، بزيادة 40 في المئة عن العام السابق.

وتغير كل شيء بعد انتفاضة 2011، حيث جعل النظام السوري من المستحيل تقريبًا دخول البلاد كسائح لإخفاء وحشيته عن العالم الخارجي، واستمرت سياسة الحظر تلك حتى استعاد الرئيس بشار الأسد السيطرة على معظم أنحاء البلاد في أواخر عام 2018، ومنذ ذلك الحين، بدأ النظام تدريجياً في السماح للسائحين الباحثين عن المغامرة ومن له شعبية كبيرة على الانترنت بالعودة.

ومع ذلك، فإن تلك الرحلات، مثل الكثير في سوريا، ليست كما تبدو للعيان، حيث لا يُسمح للمسافرين بالزيارة إلا تحت إشراف الحكومة. ويجب على الأجانب شراء تذاكر لرحلات سياحية من وكالة سفر معتمدة من قبل النظام ويرافقهم مرافقون موثوق بهم من الحكومة والذين غالبًا ما يتنكرون كمترجمين أو سائقين أو وكلاء رحلات، كما تفحص مديرية المخابرات العامة السورية طلبات التأشيرات لمنع الصحفيين والنشطاء من التسلل.

ويمكن للنظام استخدام الزوار الذين يقبلون تلك الشروط لتحقيق أهدافه، وهي كالتالي:

أولا، تريد الحكومة إقناع العالم بأن سوريا آمنة. حيث يتم إحضار مدوني الفيديوهات إلى المناطق التي توقف القتال فيها منذ فترة طويلة فقط، مثل دمشق وحلب، وفي المقابل، يخبر المدونون جمهورهم أن سوريا أكثر أمانًا مما تعتقده وسائل الإعلام الرسمية، وقال رتش في نهاية مقطع الفيديو: “إذا كنت قلقًا بشأن السفر إلى سوريا لأنك تعتقد أنه مكان خطير، فلا داعي للقلق حول ذلك الأمر، فلا توجد مشكلة على الإطلاق ” كما أدلى ويلسون بتصريح مماثل.

وثانيًا، يريد نظام الأسد استخدام من يملك شعبية كبيرة على الانترنت لتعزيز اقتصاده المتعثر، وقد أبرز هذا الهدف مؤخرًا نائب وزير السياحة غياث الفرّاح، الذي قال إن الزوار البارزين “ذوي المتابعين الكثيرين” يخلقون دعاية إيجابية للبلاد.

وفي حين أنه من غير المرجح أن يتدفق السياح الغربيون إلى سوريا في أي وقت قريب، فإن مقاطع الفيديو تلك تؤثر على “السياحة المظلمة” وهي السفر إلى أماكن مرتبطة بالحرب والموت والدمار. وقد أقرت نيوينهام في مقابلة مع “إنسايدر ” أن زيارتها لمدن مدمرة مثل حلب وحمص كانت مدفوعة جزئيًا بتلك الرغبة.

وكثرت وكالات السفر لتلبية ذلك الاهتمام الجنوني، حتى الوكالات التي تتخذ من الخارج مقراً لها تشارك في تلك العملية، حيث استخدم ريتش شركة مسجلة في دبي، بينما تساعد شركة “حدود جامحة Untamed Borders ” ومقرها لندن “المسافرين المغامرين على تجربة مناطق غير عادية وغير مرغوب فيها إلى حد كبير من العالم”. وبدأت زيارته إلى سوريا لمدة سبعة أيام مع شركة حدود جامحة Untamed Borders ”   بمبلغ 2225 دولارًا.

ولا يبدو أن النظام يمانع في الترويج لسوريا كوجهة للباحثين عن الإثارة والمتشوقين لرؤية القتال في الوقت الراهن، طالما أن ذلك النشاط يدر عليه المال ولا يخرج عن نطاق السيطرة.

وأخيرًا، وربما هذا العنصر هو الأكثر خطورة، حيث يتم استخدام هؤلاء المصورين لإعادة كتابة التاريخ من خلال ترديد الأخطاء التاريخية للنظام. ومن خلال الاعتماد على المرشدين السياحيين المؤيدين للأسد، يُصدق المدونون دعاية النظام، وربما دون أن يعرفوا ذلك، كما قال ريتش في مرحلة ما في رحلته “من يلعب دور الخير ومن يلعب دور الشر في هذا الصراع؟ لا أعرف.”

ولكن كثيرًا ما يُظهر ريتش “مرشده السياحي” وهو يتحدث عن “الإرهابيين” الذين قتلوا المدنيين ودمروا البلاد في مقطع الفيديو الذي مدته 50 دقيقة، وهو يتحدث عن المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام في الشمال الغربي، حيث قال المرشد من دون تقديم أي دليل: “يسيطر على تلك المناطق تنظيم القاعدة وجماعات مسلحة أخرى تشترك في نفس الفكر المتطرف. إن مشكلة سوريا الأولى هي التدخل الأجنبي “.

ورد ريتش قائلاً “إلى القوات الأجنبية، هل تسمعون؟ اخرجوا من سوريا فورا.”

ويستخدم نظام الأسد كلمة الأجانب كبعبع، على الرغم من أن السوريين أنفسهم هم من يعارضون حكم الأسد الوحشي في المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة، وعلى عكس الصحافة التي تسعى إلى التوازن والموضوعية، فإن المدونين لا يخبرون جمهورهم إلا بما يريد الأسد سماعة.

تلك الفيديوهات مخصصة للتسلية، وذلك هو الهدف من ورائها التسلية فقط. وبدلاً من تقديم رحلاتهم على أنها جولات مدعومة من الحكومة، يقوم المدونون بتضليل ملايين المشاهدين بينما يساعدون في إخفاء الفظائع التي ارتكبها الدكتاتور السوري، ولن يؤدي ذلك إلا إلى إطالة معاناة من يعيش تحت رحمة النظام ويضمن إخفاء معالم القصة الكاملة للحرب السورية.

 

حايد حايد هو زميل أبحاث استشاري أول في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس.