“قضية تجسس” تؤكد على ضرورة الانتهاء من السياسة الطائفية في لبنان

حسين عبد الحسين

في ما بدا وكأنه اختراق في مجال التجسس المضاد في لبنان، اعتقل مكتب أمن الدولة في شهر نوفمبر 2017 الممثل زياد عيتاني واتهمته بالتجسس لصالح إسرائيل. ثم سرب المسؤولون أدلة دامغة ضد عيتاني وادعوا أنه اعترف. لكن القاضي وجد لاحقاً أن ادعاءات جهاز أمن الدولة غير قابلة للإثبات، ونقل التحقيق إلى إدارة أخرى تسمى بفرع المعلومات. وكانت الخلاصة أن الأدلة ضد عيتاني ملفقة، وأعلن أنه بريء في وقت سابق من هذا الشهر. ثم استدعي القضاء لاستجواب الضابط الذي كان مسؤولاً عن القضية في مكتب أمن الدولة.

قد تبدو قصة عيتاني للوهلة الأولى مجرد خطأ بشري بسيط. لكن لدى التعمق في التفاصيل نجد مشاكل مترسّخة: أي عدم الكفاءة في السياسة الرسمية والسياسة الطائفية التآكلية في لبنان.

هكذا بدأت القضية. ”أعجبت“ الرائد سوزان الحاج من أمن الدولة بتغريدةً نشرها لبناني كان قد استخفّ بالمرسوم السعودي الذي سمح للنساء بقيادة السيارات. لكنه على ما يبدو سرعان ما حذفها. لكنّ زياد عيتاني آخر ، وهو ضابط صحافي مقرب من وزير العدل الأسبق أشرف ريفي، التقط في غضون لحظات لقطة عن إعجابها لهذه التغريدة وأعاد مشاركة اللقطة. تم الحطّ من رتبة هذا العيتاني.

ثم ازدادت المسألة إثارةً حيث يبدو أن أحد القراصنة راح يبحث عمّا قد يخفيه عيتاني. غير أنه وفي ذاك الحين أخطأ بشخص زياد عيتاني. وحتى ذلك الحين، لم يتم العثور على أي شيء يدعو للتجريم أو الإدانة. في ما يبدو الآن، ظهرت سلسلة من التبادل الإلكتروني المفبركة بين عيتاني وضابط مخابرات إسرائيلي خيالي.

أدّت الاتهامات الباطلة إلى مهزلة وفأصبحت شبه نكات. وقد تضمنت التعليمات الإسرائيلية الوهمية إلى عيتاني جمع المعلومات الاستخبارية عن الأشخاص الذين يعتبرون في الغالب سياسيين، “لنشر ثقافة التطبيع مع إسرائيل بين المثقفين” و”الترويج لحلّ الدولتين” بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقد تحول اعتقال عيتاني الخاطئ إلى فضيحة أكبر عندما ظهر الانتماء الديني للحاج ووكيلها الأمني ​​من جهة، وعيتاني والوكالة التي كشفت الأدلة الزائفة ضده من جهة أخرى. وهنا دخلت السياسة الطائفية اللبنانية على الخطّ.

الحاج مسيحية من المذهب الماروني، وكذلك حال أغلبية الضباط في مكتب أمن الدولة، والذي يعمل تحت أجنحة الرئيس الماروني في لبنان ميشال عون. أمّا عيتاني وأعضاء فرع المعلومات فهم من السنة ويقع فرع المعلومات تحت رعاية رئيس الوزراء السني، سعد الحريري ، ووزير الداخلية نهاد مشنوق.

وقدّم عون ومكتب أمن الدولة والحاج اختراقاتهم الاستخبارية على أنها “عمل مقاومة”. ولربما كان حزب الله القوي وقاعدته الشيعية اعتبر ذلك إيجيبياً. أما بعد الكشف عن الأدلة الملفقة، فاعتمد كل من الحريري ومشنوق وفرع المعلومات تصرفاً يقد يصنفهم من المدافعين عن السنة. وبينما حاولت الدائرة السياسية السنية تغيير مجرى النهر على متهمي عيتاني، اعتبر عون أنه من الضروري أن يلعب دوره كمدافع عن المسيحيين الموارنة، مما يعني أن جهد الحريري نيابة عن عيتاني كان عملاً انتخابيًا. وكان موعد الانتخابات البرلمانية في ذلك الوقت بعد سبعة أسابيع فقط.

قد يتم حل تلك الكارثة قريباً بأقل ما فيه من ضرر للضابط، غير أن مستقبلها المهني محكوم عليه من الآن بالفشل. ومع ذلك، فإن القضية تسلط الضوء على التعفن الذي تفشى في قلب الدولة: وكالات الأمن الخارجة عن نطاق السيطرة والتي تحميها القلة الحاكمة الخاصة بها ونظام ضعيف يدير خدمة العدالة بشكل متقطع فقط. والواقع أن قضية عيتاني تسلط الضوء على مشكلة مزمنة في نظام العدالة المسيّس، وهي مشكلة تركت جرائم بارزة – مثل اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في عام 2005 – دون حلّ ، بينما أعلن بتحقيق اختراقات في جرائم أخرى.

لنقارن بين قضيتين. أولهما، انفجار قبوة ناسفة في عام 1994 في كنيسة سيدة النجاة في كسروان بالقرب من بيروت، وترتبط بزعيم ميليشيا القوات اللبنانية سمير جعجع. وكان عفو ​​سابق قد أزال جميع الاتهامات الجنائية المتعلقة بالحرب الأهلية، ولكن بسبب حدوث الأفعال الإجرامية المزعومة بعد إصدار العفو لم تكن خاضعة للعفو، فقد تم اعتقال جعجع كمشتبه به في التفجير. وكانت بداية إحدى أطول المحاكمات في تاريخ القضاء اللبناني وأكثرها شهرة انتهت بحكم البراءة لصالح جعجع. ولكن، وما لا يمكن تفسيره، أنه تمت محاكمته أيضًا بتهم تقع تحت العفو. وقد اتُهم “بتنظيم ميليشيا”، وأُدين وحكم بأربعة أحكام بالإعدام تم تخفيفها إلى السجن مدى الحياة. وفي النهاية تم تحريره بعد 11 سنة. فكان الحكم ضد جعجع المسيحي بتنظيم ميليشيا سريالياً ويفوق الخيال، ولا يتوقف ذلك عند كونه غير عادل ومدفوع سياسياً ، بيد أن تم اصداره في وقت كانت ميليشيا حزب الله كانت تتبختر على مرأى ومسمع الجميع.

آما بعد، وفي عملية استخبارية في عام 2012، ضبط فرع المعلومات اللبناني السابق عضو مجلس الوزراء اللبناني ميشال سماحة بالفعل المشهود ينقل قنابل اليد بين القصر الرئاسي السوري ونشطاء الشرطة السريين في بيروت. وتم اغتيال رئيس الفرع الذي قاد العملية في وقت لاحق. وحكم على سماحة بأربعة أعوام من السجن فقط، ومع مرور الوقت تم إطلاق سراحه فورما تسنى الأمر. لو لم يحدث ذلك لحدثت ضجة عامة أجبرت على إعادة المحاكمة، فلم يكن قد أُعيد سماحة إلى السجن هذه المرة حتى عام 2025.

وتثبت هاتين القضيتين أنه لا يتم الحكم بالعدالة عندما تكون العدالة سريعة التقلّب. وأدّى التسييس القائم لكل جوانب الحياة والقوة غير المقيدة لحزب الله وأجهزة الأمن المختلفة إلى تآكل ثقة الجمهور في القانون والنظام. وعندما يشعر المواطنون بأنهم ضعفاء وغير محميين، فمن المفهوم أن يلجأوا إلى الأوليغاركيين. ويزيد ذلك من ترسّخ نظام العدالة الغير المثالي في لبنان. والأسوأ من ذلك أنه يطيل عمر “الديمقراطية التوافقية” المتعسرة في البلاد. فالحق الحق أنه لا ينبغي أن يكون للطائفية مكاناً في لبنان يطمح إلى الحداثة.