في الصين والشرق الأوسط وفي غيرهم من الدول، فيروس كورونا يعمل على ذوبان جليد العلاقات الدبلوماسية

فيصل اليافعي

AFP Photo: Shwan Mohammed

في كوريا الشمالية كان الأمر على شكل خطاب، وفي اليابان كان على شكل قصيدة، وفي كندا كان على شكل صناديق تحتوي كمامات الوجه، وفي الإمارات العربية المتحدة كان الأمر على شكل طائرة محملة بالإمدادات الطبية، وبينما انتشر فيروس كورونا أو (كوفيد-19) عبر الحدود بدأت بوادر انفراجه دبلوماسية بين الدول التي تشهد توترًا في العلاقات فيما بينها.

وحينما وصلت الكمامات التي تبرعت بها اليابان إلى الصين، وكانت تحمل معها بيت من الشِعر الذي ينم عن الأخوة تمت كتابته منذ أكثر من ألف عام مضت، كانت هناك ثورة في وسائل التواصل الاجتماعي على مستوى الصين، وكانت هناك تغريدة على موقع تويتر اشتملت على بيت الشعر :”على الرغم من أن الجبال والأنهار تفصل بيننا فنحن نعيش تحت سماء واحدة”، وقام عشرات الآلاف من الصينيين بإعادة نشر التغريدة، حتى أن وزارة الخارجية الصينية قالت أن تلك القصيدة قد لمست القلوب.

وفي أماكن أخرى، فقد أثرت تلك اللفتات المتعلقة بفيروس كورونا على الأعداء والأطراف المتخاصمة.

وفي الأسبوع الماضي، أرسل زعيم كوريا الشمالية خطابًا يُعبّر فيه عن مواساته إلى رئيس كوريا الجنوبية الذي تأثرت بلاده بشكل خاص بفيروس كورونا، ويأتي هذا الأمر بعد مرور أيام على قيام بيونج يانج بإطلاق صاروخين على بحر اليابان.

وفي كندا، على الرغم من استمرار التوتر في العلاقات مع بيكين على خلفية احتجاز مدير بشركة هواوي في مدينة فانكوفر؛ قامت كندا بإرسال تجهيزات طبية إلى الصين لمساندتها خلال أزمة فيروس كورونا، مما أدّى إلى قيام وزير الخارجية الصيني بإطلاق تصريحات تتسم بالتصالح تجاه كندا.

ونفس الأمر حدث في منطقة الشرق الأوسط، حيث باتت إيران معقلًا لفيروس كورونا في المنطقة خلال الوقت الحالي، وهي الدولة التي تشهد علاقات متوترة مع الكثير من جيرانها، ووصلت أرقام الضحايا في إيران إلى ثلاثة أضعاف بعد فترة من تعتيم السلطات الإيرانية على أرقام ضحايا الفيروس، فضلًا عن وصول عدد الإصابات على مستوى البلاد إلى ما يقارب ستة آلاف حالة.

وقامت الإمارات العربية المتحدة بتوسيع نطاق المساعدات على الرغم من العلاقات المتجمدة، حيث أرسلت الأسبوع الماضي طائرة عسكرية تضم 7.5 طن من المساعدات الطبية إلى طهران.

ودبلوماسية الكوارث تلك تعُد حيوية خلال مواجهة الكوارث، فهي ترسل رسالة هامة مفادها أن التوترات السياسية مهما بلغت من الخطورة من الممكن في النهاية التغلب عليها عبر المشاعر الإنسانية المشتركة، كما أنها على المدى الطويل يمكنها تحسين العلاقات السياسية.

وانتشار فيروس كورونا من الممكن أن يحمل معه مزيجًا سياسيًا مسمومًا من القومية والعنصرية. وبما أن الصين في القلب من هذا الوباء؛ فإن الطلاب الصينيين وهؤلاء الذين يحملون العرقية الصينية على مستوى العالم قد واجهوا حالات من العنصرية تجاههم بصورة علنية، وبدا الأمر وكأن الخلفية العرقية لهؤلاء تجعل البشر يظنون أنهم يحملون العدوى بشكل أو بآخر.

وعلى المستوى القومي أيضًا، فإن العناصر المظلمة من الثقافة السياسية قد أخذت مكانها، وقد أدّى انتشار المرض في البداية إلى إثارة النعرة القومية لدى الحكومات، وتم إغلاق بعض الحدود بشكل سريع، وحاولت الصين إثبات مهارتها عبر الوقوف بوجه انتشار الوباء بمفردها، ولم تقبل بيكين بالمعاونة الخارجية في هذا الإطار إلا بعد مرور الوقت.

وفي أوروبا التي لا تزال في القلب من أزمة المهاجرين، قامت أحزاب اليمين المتطرف باستغلال الفرصة للربط بين انتشار فيروس كورونا وبين الهجرة، وربما لم يكن من الغريب قيام ماتيو سالفيني وهو رئيس أحد أحزاب اليمين المتطرف ووزير داخلية سابق بالتصريح إن ترك الحدود الإيطالية مفتوحة أمام المهاجرين الأفارقة هو أمر ينطوي على “استهتار”، هذا على الرغم من أن القارة الأفريقية بعيدة عن الوباء ولو بصورة نسبية.

وقد أدى هذا بشكل تدريجي إلى إدراك مسألة أن اندلاع الوباء في مكان ما يمثل تهديدًا للدول في كل مكان، وفي بعض الأماكن فإن انتشار الفيروس قد أظهر أفضل ما في البشر، وتم إرسال رسائل تضامن من أماكن كثيرة على مستوى العالم لهؤلاء المنكوبين بالمرض في الصين، أما هؤلاء الموجودين في الحجر الصحي على متن السفن استمروا في التواصل مع عائلاتهم وحتى مع الغرباء عبر شبكة الإنترنت، وكانت هناك ومضات من المشاعر الإنسانية المشتركة حيث قام الناس بمعاونة المصابين بالفيروس.

وأدى الأمر أيضًا إلى تلاشي أفكار معينة تتعلق بالقوميات والحدود بين الدول.

وعلى الرغم من أن الكثير من الدول قامت بتسيير الرحلات الجوية لإعادة مواطنيها من مقاطعة ووهان الصينية، إلا أن بعض تلك الرحلات الجوية حملت خليطًا من الجنسيات المختلفة على متنها.

وقد قامت الإمارات العربية المتحدة خلال الأسبوع الماضي بإجلاء المئات من مقاطعة ووهان غالبيتهم من جنسيات عربية من 11 دولة، وسمحت لهؤلاء بالبقاء في الحجر الصحي بأبو ظبي.

وهؤلاء الذين تم إجلاءهم على متن طائرة إماراتية خاصة وجدوا في استقبالهم بأبو ظبي رسالة من الشيخ محمد بن زايد ولي العهد يقول نصها :”نريد أن نطمئنكم إلى أنكم بين أهلكم وأصدقائكم وأنكم ضيوف أعزاء مكرمين، سنوفر لكم الرعاية الصحية الكاملة، وكل ما يلزم لمتابعة الرحلة إلى أوطانكم متى ما كان ذلك آمنا، حللتم أهلا ونزلتم سهلا”.

وبالمِثل فقد وفر الاتحاد الأوروبي رحلات جوية لكل من يحمل جوازًا أوروبيًا.

ولو أن هناك درس مستفاد من أزمة فيروس كورونا، سيكون مفاده أن مُعظم العالم يدرك بصورة بطيئة أن الحدود توفر القليل من الحماية، وهذا الفهم المتأخر هو ما يثير الإحباط، وقد تأثرت الدول الغنية بالفيروس بسهولة لا فرق هنا بينها وبين الدول النامية، والواقع أن الدول الغنية تعتمد إلى حد كبير على فاعلية الأماكن الأفقر على مستوى العالم من أجل احتواء الفيروس، وهذا لا يعود إلى أن الفيروس سوف ينتشر في تلك الأماكن الفقيرة بصورة أكبر، لكن بسبب صعوبة القضاء على الفيروس في تلك الأماكن.

وتلك الرسائل الخاصة بالتفاعل عبر الحدود تبعث على الأمل، لكن مع انتشار الفيروس فإن الأفكار القومية الضيقة قد أثبتت أيضًا أنه من الصعب التخلص منها، وطالما استمر الوباء سيستمر معه التعارض في وجهات النظر.

وقد تم اتخاذ إجراءات قاسية بالفعل – وقامت إيطاليا بوضع 25% من إجمالي عدد السكان في الحجر الصحي، ومع ارتفاع عدد المصابين في الأسابيع القادمة كما يتوقع العلماء؛ فقد باتت الوظائف في خطر وباتت محال السوبر ماركت خالية من البضائع، وسوف يكون انتشار الوباء بمثابة اختبار حقيقي للمشاعر الإنسانية كما سيكون اختبارًا لطبيعة الحكومات.

وواقع الأمر أن انتشار الفيروس فضح السلوكيات التي كانت مخفية بسبب اعتبارات سياسية واجتماعية، وبعض ما ظهر يتسم بالقبح وكشف عن سلوكيات كانت غير ظاهرة لمدة طويلة، لكن الأمر انطوى أيضًا على ظهور تفاعلات إيجابية لم يكن لديها الفرصة للظهور في السابق.

وهناك أيضًا ما يبعث على الراحة، فهذا الفيروس الذي أصاب العالم أجمع أدّى إلى ظهور الأمل في الشفاء السياسي.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.