في كل من الجزائر وتونس؛ هل يمكن للحرس القديم أن يفتح الطريق أمام الجيل الجديد؟

فيصل اليافعي

AFP photo: Ryad Kramdi

في غضون عدة أيام؛ قرر رئيسي دولتين جارتين بالشمال الإفريقي التنحي عن الحكم وتسليم السلطة إلى جيل جديد، في الثالث من إبريل قام عبد العزيز بوتفليقة؛ الرجُل الذي حكم الجزائر لعقدين بالاستقالة من الرئاسة أخيرًا، وفي تونس؛ وخلال عطلة نهاية الأسبوع التي أعقبت تنحي بوتفليقة؛ أعلن الرئيس الباجي قائد السبسي الذي يبلغ من العمر 92 عامًا؛ وهو الرجل الذي قام بالخدمة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، بل قد قام ايضا بالخدمة في عهد الرئيس الذي سبق “بن علي” وهو الحبيب بورقيبة؛ أنه لن يترشح للحصول على فترة رئاسية جديدة خلال الانتخابات المقرر لها نهاية العام الحالي، وفيما يبدوا فإن الحرس القديم قرر التنحي.

والآن فإن رحيل هذين الرجلين الذين يبلغان الثمانين والتسعين من العمر، وكلاهما كان رئيس لدولة يبلغ متوسط عمر السكان بها أقل منه شخصيًا بعشرات السنين؛ فإن رحيل هذين الرئيسين لا يعد نهاية المطاف، وفي كل من الجزائر وتونس الواقع أن الحرس القديم قام بفتح الطريق أمام الجيل الجديد، لكن التغيير يجب أن يكون حقيقيًا وأن يتسم بالضخامة والبقاء، ونحن نقصد التغيير الذي يعود بالنفع على الهيكل السياسي، وليس مجرد تغيير الوجوه السياسية التي تتصدر الملصقات في الشوارع.

وبصورة ما؛ فقد انتهت الأوضاع في الجزائر وتونس إلى النقيض مما شهدته ثورات الربيع العربي، وبالنسبة لتونس؛ فقد كانت الدولة التي أشعلت ثورات الربيع العربي منذ 8 أعوام مضت، وقد كان التغيير الذي حل بها من أكثر التغييرات المزلزلة التي حلت بالشرق الأوسط على مدار عقود، كما أنها تبقى من أكثر الدول التي حققت نجاحًا سياسيًا ضمن دول الربيع العربي، وحتى شهرين فقط من اليوم، فقد ظهر أن الجزائر قد نأت بنفسها عن اندلاع تلك الاحتجاجات، لكن آلاف الجزائريين الذين قاموا بالتجمع أسبوعيًا قد نجحوا في الإطاحة بالرئيس بوتفليقة.

والمعضلة الرئيسية في كل من الجزائر وتونس تتمثّل في أنه على الرغم من أن الوجوه قد تغيرت؛ إلا أنه يبدوا أن الحرس القديم لا يملك النية للتخلي عن الأسلوب القديم فيما يخص الأداء السياسي، وفي الجزائر؛ فإن الرئيس الجديد عبد القادر بن صالح الذي تخطى السبعين من العمر ويمارس السياسة منذ عقود إلا أنه من الوجوه الجديدة في مجال العمل السياسي، وتتمثل وظيفته الآن في التمهيد لإجراء انتخابات في غضون عدة أشهر، لكن ما يريده المحتجون على أي حال هو إجراء إصلاحات واسعة، وليس من الواضح إذا ما كانت الشبكة المترابطة من الساسة ورجال الأعمال وقادة الجيش؛ والتي ساندت بوتفليقة على مدار عقود ستسمح بإجراء تغيير حقيقي.

لكن ما نحتاجه اليوم، وما يطالب به المحتجون هو التغيير الحقيقي، ورحيل بوتفليقة يعد الخطوة الأولى فقط تجاه إجراء إصلاحات واسعة في الجزائر، والتناقض بين مطالب الشعب وبين ما يحصل عليه من الممكن أن يزيد فقط إذا ما أصرت الطبقة الحاكمة في الجزائر على أن التغيير السطحي سيكون كافيًا، أما المحتجين فإنهم يزدادون جرأة: فقد انتهى حكم الرئيس الواحد، لكنهم يريدون إنهاء حكم الحزب الواحد.

والأمور في تونس تجري بالمثل، حيث يغلب الأسلوب القديم على الأداء السياسي.

والانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستشهدها تونس نهاية العام الحالي ستكون من أكثر الانتخابات المترابطة منطقيًا منذ اندلاع الثورة التونسية، وخلال الأعوام الأربعة منذ العام 2014 دخل حزب النهضة أكبر الأحزاب في البرلمان تحالفًا مع حزب نداء تونس ثاني أكبر حزب في البرلمان، وقد انتهى هذا التحالف في سبتمبر من العام الماضي، وهذا يعني أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستحل في الشتاء القادم ستكون بمثابة اختبار حقيقي للشعبية التي يتمتع بها كل حزب.

والخطر في الجزائر لا يزال قائمًا، فالبلاد تمر بمرحلة تحول تتسم بالجدية والخطورة.

والمحتجون أصبحوا أكثر جرأة وبحيث أنه إذا ما تم التحول بصورة غير مقبولة على مستوى كبير؛ فإن ذلك من الممكن أن يفضي إلى احتجاجات واسعة وبحيث تقوم الحكومة باستخدام القوة للسيطرة عليها، ولن نبالغ إذا قلنا أن الحرب الأهلية الوحشية التي شهدتها الجزائر تلقي بظلالها على الاحتجاجات الأخيرة.

والواقع أن الاحتجاجات التي شهدتها الجارة تونس أدت إلى قيام ديمقراطية جديدة، لكن جارة الجزائر الأخرى التي شملها الربيع العربي هي ليبيا، وقد شهدت تلك الدولة على مدار الثمان سنوات السابقة، تمزقًا ملحوظًا. ولمصلحة الجزائر، فإن الحرس القديم يجب أن يتنحى عن المشهد، وإلا فإن تلك الفترة القصيرة ستكون بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة.