سيتم مشاهدة آثار وتبعات فوز حكومة اليمين المتطرفة الإيطالية على المسرح العالمي أولاً

فيصل اليافعي

Image courtesy of Andreas Solaro / AFP

ترك فوز جيورجيا ميلوني في الانتخابات الايطالية، الصحافيين في حالة حيرة حول أنسب وصف لحزبها، فهل كان حزبها المعروف بـ (إخوان إيطاليا) تنظيم سياسي فاشي (خصوصاً و إنها تستخدم نفس شعار كحزب أسسه مساعدي موسوليني)، ام هي فاشية جديدة أم يمينية متطرفة أم مجرد حزب شعبوي؟

ويعزي الارتباك لحالة الغموض الذي يحيط بميلوني نفسها، وتأرجح خطابها بين النبرة التصالحية أحياناً، ومرة بتعهدها بعد فوزها بأنها بالوقوف على مسافة متساوية من جميع الإيطاليين.

وتظهر الربكة بوضوح في الأسئلة الملحة المطروحة على نطاق واسع الآن عما يعنيه فوز حزب يميني متطرف في دولةٍ تعتبرُ رابع أكبر اقتصاد في أوروبا في القرن الحادي والعشرين.

ويأتي انتصار ميلوني بعد مرور أكثر من مئة عام من تأسس بينيتو موسوليني حزبه السياسي الفاشي، وفي خضم غزو أوكرانيا الذي وصفه رئيس حلف الناتو كأخطر لحظة في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وفي ظل ظروف اقتصادية غير مواتية. ويستطيع الصحفيون القادرون على التنبؤ بالمستقبل رؤية أوجه التشابه بين الماضي واليوم.

مع ذلك، لا تتعلق هذه التساؤلات بإيطاليا فقط، بقدر تعلقها بالصورة الاشمل لانعكاسات ذلك الفوز الانتخابي، ولسبب وجيه وهو ان ايطاليا لن تتأثر فوراً بتسنم حكومة يمينة متطرفة زمام الحكم فيها، عكس الدول الأوربية الاخرى و منطقة الشرق الأوسط.

ولفوز إخوان إيطاليا زخم خاص، إذ إنها تعتبر المرة الثالثة التي تقترب فيها حزب يميني متطرف من تسلم السلطة في أوربا في ظرف الستة أشهر الأخيرة، بدايةٍ من حصول مارين لوبان على المركز الثاني في الانتخابات الرئاسية الفرنسية وظهور الديمقراطيون السويديون في المشهد كثاني أكبر حزب في بلادهم قبل أسابيع.

فقد تسللت أفكار اليمين المتطرف للساحة السياسة الأوروبية وصار خطاب اليمين المحافظ، وتحديات الهجرة، وآثار الحرب الروسية في أوكرانيا وأزمة تكلفة المعيشة جزءًا من الخطاب القومي في كل الدول أوروبية الكبرى.

وعلى الرغم من تمتع ايطاليا بخصوصيتها، لا سيما في قضايا انخفاض معدلات المواليد وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، لكن تظل القضايا المطروحة في حملة ميلوني الانتخابية متواجدة عبر القارة الأوروبية. لذلك سيتابع المرشحون اليمينيون المتطرفون حملتها للخروج برسائل أو تكتيكات يمكنهم تطبيقها في بلدانهم. وهذا ما يحدث بالفعل، إذ صرح زعيم اليمين المتطرف الفرنسي إريك زمور، إن استراتيجية ميلوني في التكتل في قائمة يمينية موحدة للانتخابات يمكن أن تنجح في فرنسا أيضًا، وتوضح خطورة تصريحه عند وضع الاختراق الذي حققه لوبان في أبريل في عين الاعتبار.

ولا يتمثل التهديد في اليمين المتطرف فقط، بل في سعى المرشحون المحافظون من التيار الرئيسي في جميع أنحاء القارة ” للتظاهر بمظهر اليمين المتطرف” وتبني أفكارهم، فنبرة ميلوني المحافظة وتفضيلها الأسرة النووية أمر يمكن أن يتبناه المحافظون الآخرون، ودائمًا ما يركز المحافظون على توظيف القانون والنظام كدعامتين أساسيتين لخطابهم، بينما تغذي قضايا الهجرة غير الشرعية و الحروب في منطقة البحر الابيض المتوسط خطابهم في إيطاليا ودول جنوب أوروبا الأخرى.

مما يعني ان نفس التحديات التي دفعت ميلوني وكتلتها إلى كرسي الحكم، حاضرة ايضاً في أجزاء أخرى من القارة، وستحرص الاطراف التي تشارك نفس الخطاب السياسي على طرح حلول مماثلة.

وينطبق نفس الأمر في دول جنوب الإتحاد الأوروبي حيث مهدت الاحداث الخارجية الطريق لصعود ميلوني إلى السلطة.

ولأسباب جغرافية بحتة، ينتهي المطاف بغالبية المهاجرين القادمين عن طريق القوارب في الدول الواقعة على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وبصفةٍ خاصة، إيطاليا واليونان وإسبانيا.

وعلى الرغم من أن الهجرة قضية قارية على مستوى الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية دبلن للعام 2013، إلا إن الدولة التي يدخلها طالبو اللجوء أولاً ملزمة بالتعامل معهم والنظر في أمرهم، مما يشكل ضغطاً هائلاً على دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، ويدفعهم إلى سلك طرق عديدة لوقف تدفق المهاجرين.

وإذا كُلف ماتيو سالفيني رئيس حزب الرابطة اليمينية المتطرفة بمنصب وزيراً للداخلية، وهو منصب شغله سابقاً، فسوف يعيد بلا شك تطبيق سياسته المثيرة للجدل بشأن “الموانئ المغلقة” والتي طرحها العام 2018، لتتم بموجبها منع قوارب إنقاذ المهاجرين من بلوغ الموانئ الإيطالية.

وقد تسبب ذلك في موجة من الانتقادات داخل إيطاليا وأوروبا بجانب تأثيرها غير المباشر على شمال إفريقيا حيث دفع السياسية الجديدة المهربون للبحث عن طرق بديلة، حيث سعت الحكومة الإيطالية لعقد صفقات منفصلة مع دول مثل ليبيا لوقف عبور القوارب واتخاذ إجراءات صارمة ضد المُهَرِبين.

وهي قضية داخلية ساخنة ايضاً، إذ يُعزى تركز الأصوات الداعمة لليمين المتطرف بمقاطعات شمال إيطاليا لاستقبال تلك المقاطعات أعداد كبيرة من المهاجرين الوافدين، حيث يفضل معظمهم التوجه شمالاً نحو فرنسا والمملكة المتحدة أو ألمانيا حيث الاقتصادات الكبيرة وفُرص توظيف أفضل في السوق الموازي، مما ينتج عنه تجمع المهاجرين الراغبين في إيجاد منافذ لتك الدول في المقاطعات الحدودية.

وعلى الرغم من طرح دول الاتحاد الأوروبي خيار تعديل اتفاقية دبلن وتقديم نظام يوزع بموجبها المهاجرين في جميع أنحاء الإتحاد، فقد ماطلت دول شمال أوروبا وفرحوا بتأجيل الأمر لدورة انتخابية او رئاسية أخرى، إلا إنه من المرجح الان أن يضطروا لقبول بعض التغييرات مع تزايد أعداد المهاجرين في بلدانهم.

ورغم إنها انُتخبت للتعامل مع التحديات المحلية، إلا إن آثر فوز اليمينة المتطرفة بمنصب رئيسة وزراء إيطاليا سينعكس خارجياً أولاً.

 

فيصل اليافعي: محلل لعدة شبكات أخباريه تلفزيونية عالمية. عمل لمؤسسات إعلامية مثل الغارديان و  (بي بي سي) وله تقارير عن الشرق الأوسط و أوربا الشرقية و اسيا وافريقيا و يعمل الان تأليف عن كتاب عن الشرق الأوسط.

 تويتر: FaisalAlYafai