إذا كانت الدول الآسيوية تريد نفط الشرق الأوسط، فيتعين أن تفعل ما عليها لحماية هذا النفط

كريستيان لامير

AFP Photo: Choi Jae-Ho

من النادر وقوع حدثين في فترة قصيرة من الزمن يؤكدان بوضوح على تباطؤ عملية التوازن الاستراتيجي الدولي، ولكن هذا ما حدث خلال الشهر الحالي.

حيث أنه في السابع عشر من يناير، قام السفير الأمريكي السابق في إسرائيل مارتن إنديك بنشر مقال في صحيفة واشنطن بوست، قال فيه محتجاً بأن التزام الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط يجب أن يقل عن الماضي لأن واشنطن باتت لا تحتاج إلى الاعتماد علي إمدادات النفط القادمة من المنطقة، كما أن أمن دولة إسرائيل بات في حال أفضل. وكانت هناك جملة في هذا المقال تعُد في غاية الأهمية وهي قول مارتن إنديك إنه :”يجب على الصين والهند أن تقوما بحماية الممرات الملاحية التي تفصل بين الخليج وموانئ كل من الدولتين، وأن أسطول الولايات المتحدة غير مُلزم بحماية تلك الممرات“.

وبعدها بأربعة أيام في الحادي والعشرين من يناير، أعلنت كوريا الجنوبية أنها بصدد توسيع نطاق عمليات وحدة مكافحة القرصنة فيما وراء البحار، لتشمل مضيق هرمز عبر نشر وحدة بحرية جديدة هناك. وقد تم تشكيل وحدة تشونغهاي Cheonghaeمن 300 من الجنود الأقوياء، علي متن مدمرة يبلغ وزنها 4400 طن، وقد تشكّلت تلك القوة في العام 2009 بغرض حماية الملاحة في خليج عدن. وتلك الوحدة ستقوم الآن بالعمل في منطقة الخليج العربي، وذلك من أجل تأمين ناقلات النفط المتجهة إلى كوريا الجنوبية.وهذين الحدثين هما بمثابة إشارة واضحة على أمرين منفصلين لكن اتجاهات كل منهما متشابكة: الأولهو أن الدول الآسيوية باتت أكثر اعتمادًا على الطاقة المستوردة من الشرق الأوسط، نظرًا لحاجة اقتصادات تلك الدول للطاقة، والثانيهو أن الولايات المتحدة باتت ظاهريًا على الأقل، لا مصلحة لها في حماية تلك الإمدادات من الطاقة.

ويعكس هذان العاملان حقيقة أن هناك تغييرًا هائلًا سيصيب النظام الإقليمي وربما الدولي، ومقال مارتن إنديك يعُد بمثابة التماس للإدارة الأمريكية بالتخلّي عن المسؤولية المُفترض أنها تحملتها عن طيب خاطر منذ الحرب العالمية الثانية: وهي حماية الملاحة والأمن في ظل نظام عالمي يقوم على حكم القانون وتتزعمه الولايات المتحدة. وهذا الأمر أيضًا يعُد بمثابة اعتراف حقيقي بأنه بينما أدركت واشنطن مسألة تضاؤل مصالحها في الشرق الأوسط، فإن الدول الآسيوية – خاصة الاقتصادات الكبرى مثل الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، باتت تعتمد بشكل متزايد علي منطقة الشرق الأوسط وتشارك في شؤونها .

وتعُد الطاقة بمثابة الدافع الرئيسي وراء هذا التحول في الحسابات الاستراتيجية لكبرى الدول الآسيوية، خاصة الصين، ونظرًا للنمو الاقتصادي المتسارع والموارد المحدودة من الطاقة الداخلية ، وصل الأمر بالصين في العام 1993 لأن أصبحت مستورِدًا صافيا لمنتجات النفط ، وبحلول العام 2017 باتت الصين أكبر مستورد للنفط على مستوى العالم متجاوزة الولايات المتحدة. حتى أن تباطؤ الاقتصاد الصيني لم يفلح في كبح جماح الزيادة المتسارعة في واردات النفط، وفي العام 2019 أتمّت الصين 17 عاما محقِقة الرقم القياسي على التوالي، حيث بلغت وارداتها من النفط 10.12 مليون برميل يوميًا، بزيادة تبلُغ 9.5% عن العام 2018.

وتتطلّع الصين لمنطقة الشرق الأوسط من أجل تلبية احتياجاتها الشديدة من النفط، وتعُد منطقة الشرق الأوسط مصدرًا ل50% من واردات الصين النفطية. وشحنات النفط التي تذهب من المملكة العربية السعودية إلى الصين (وهي المورد الأول للنفط بالنسبة للصين)، تلك الشحنات زادت بقيمة 50% خلال عام واحد بدءًا من نوفمبر 2018. وهناك دول أخرى في الشرق الأوسط تحتل بانتظام المراكز العشرة الأولى في قائمة الدول التي تصدر النفط للصين، ومنها إيران والعراق وعُمان والكويت والإمارات العربية المتحدة.

ولا تعُد الصين الدولة الوحيدة التي تشتري نفط الخليج، فهناك اليابان التي يحتل اقتصادها المركز الثالث على مستوى العالم، وتستورد 90% من احتياجاتها من الطاقة، وحوالي 40% من تلك الواردات تأتي في صورة نفط، وأكثر من 75% من تلك الواردات النفطية تأتي من 5 دول بالشرق الأوسط هي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت وإيران.

والأمر لا يختلف كثيرًا مع كوريا الجنوبية، التي قامت في العام 2018 باستيراد 75% من منتجاتها النفطية من المملكة العربية السعودية والكويت والعراق والإمارات العربية المتحدة. وهناك الهند وهي دولة أخرى في منطقة المحيط الهادئ الهندي التي تعُد اقتصادًا بارزًا لكنها فقيرة أيضًا في الطاقة، تعتمد بشكل أساسي على منطقة الخليج في الحصول على النفط، واعتماد الهند على الواردات النفطية بلغ 84% خلال العام 2018 – 2019، والدول الأربع الرئيسية التي تصدر النفط للهند هي العراق والمملكة العربية السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة، حيث تشكل صادرات الدول الأربع 60% من إجمالي واردات النفط الهندية، فيما يعد دليلًا على الدور الحيوي الذي يمثله نفط الشرق الأوسط بالنسبة للاقتصاد الهندي.

والمسألة لا تتعلق فقط بالنفط، فالصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية تعُد أكبر أربع دول مستوردة للغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وتحتل قطر رأس قائمة الدول التي تصدر الغاز الطبيعي المسال لكل من كوريا الجنوبية والهند، كما تحتل قطر أحد المراكز الثلاثة الأولى في قائمة الدول المصدرة للغاز لكل من الصين واليابان.

كل تلك العوامل تجعل من منطقة الخليج أكثر المناطق الحيوية الاستراتيجية بالنسبة لاقتصادات الدول الآسيوية الكبرى. والواقع أن أكثر من ثلثي واردات كوريا الجنوبية و60% من واردات اليابان من الطاقة فضلًا عن 80% من ورادات الصين من النفط الخام، تأتي عبر مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي ضيق لا يخلو من التوترات وتهديدات إيران المتكررة بإغلاقه. والحقيقة أن أية اضطرابات شديدة وطويلة الأجل، تصيب عملية تدفق صادرات النفط عبر المضيق من الممكن أن تكون لها عواقب وخيمة على اقتصادات الدول الآسيوية المستوردة للنفط.

وفي ذات الوقت، فإن دول الشرق الأوسط بات عليها إعطاء مزيد من الاهتمام لاحتياجات ومطالب الدول الآسيوية، التي أصبحت بصورة متزايدة، من أكبر العملاء بالنسبة لدول الشرق الأوسط. وكما أن الشرق الأوسط الآن يعُد محور اهتمام الحكومات الآسيوية؛ فإن قارة آسيا باتت تمثل أهمية كبرى بالنسبة للحسابات الاستراتيجية لدول الخليج.

وعلى أي حال، فإن الالتزام الاستراتيجي لتلك الدول الآسيوية تجاه الشرق الأوسط، لا زال قاصرًا عن أن يعكس أهمية المنطقة بالنسبة للتقدم الاقتصادي لتلك الدول. والواقع أن تواجُد الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وضمانها حرية الملاحة في تلك المنطقة، جعل الدول الآسيوية غير مُلزمة بتحمُل المسؤولية الاستراتيجية، وكانت العلاقات بين آسيا ومنطقة الخليج قابلة لأن تبقى في إطار العلاقات التجارية فقط.

وهذا الوضع سيتغيّر لا محالة، ومن الصعب أن تتخلّى الصين عن أمن الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة لأجل غير مسمى، دون أن تحصل بكين على ضمانات تخص مسار الأحداث أو ضمان أمن المصالح الصينية. ونظرًا للتنافس الحالي بين الولايات المتحدة والصين؛ فإن بيكين لن تترك مسألة بأهمية تأمين إمدادات الطاقة في يد خصمها المحتمل.

وتكمن المشكلة في أن وتيرة الالتزام الصيني المتزايد والانسحاب الأمريكي من تلك المنطقة تعُد غير واضحة، حتى مع تعالي الأصوات السياسية في الجانبين التي تنادي بالانسحاب من الشرق الأوسط، فإن الواقع السياسي الخاص بتقليص الولايات المتحدة لالتزاماتها في المنطقة يعد أمرًا أعقد بكثير مما يبدو. وفي النهاية فإن الولايات المتحدة لازال لديها ألف مقاتل في سوريا، على الرغم من إعلان دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا بشكل نهائي. وقد صرّح ترامب أيضًا أن الولايات المتحدة لا يجب عليها أن تقاتل نيابة عن دول الخليج، وعلى الرغم من ذلك تم نشر 4500 جندي أمريكي في المنطقة على مدار العام الماضي.

وكل هذا يعني أنه على الرغم من أن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ربما تكون مُجبرة على مزيد من المشاركة في الشرق الأوسط؛ كما ثبت من خلال نشر وحدة تشونغهاي الكورية الجنوبية، فإن الولايات المتحدة لاتزال في وضع لا يسمح لها بتنفيذ مقترح مارتن إنديك وتخفيض مدى انخراطها في منطقة الشرق الأوسط، وهذا من الممكن أن يؤدي إلى بيئة استراتيجية معقدة، حيث تتنافس القوى الآسيوية وروسيا وأوروبا من أجل الحصول على موطئ قدم في الشرق الأوسط.

كريستيان لو ميير هو مؤسِس Arcipel، وهي مؤسسة للاستشارات الاستراتيجية لها مقرين في لندن ولاهاي، وسابقًا شغل منصب كبير المستشارين في مؤسسة مستقلة بأبو ظبي، وشغل منصب كبير الأساتذة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن @c_lemiere