يجب أيضاً أن تتكيف الأعمال الإنسانية مع التغيرات المناخية

مايكل جينينغز

Image courtesy of Aamir Qureshi / AFP

وصلت المساعدات أخيرًا إلى ملايين الباكستانيين الذين انقلبت حياتهم رأساً على عقب بسبب الفيضانات المدمرة، وأطلقت الأمم المتحدة خطة طوارئ بقيمة 160 مليون دولار، كما تم نقل الإمدادات من الشرق الأوسط وآسيا والجهات المانحة والجهات العامة في جميع أنحاء العالم الذين استجابوا لنداء الكارثة الأخير.

ومأساة باكستان هي الأحدث في سلسلة من الكوارث العالمية الناتجة عن التغيرات السريعة للمناخ، وعلى الرغم من أن مياه الفيضانات لم تنحسر بعد، فأنه ليس من السابق لأوانه تقييم ما يمكن تعلمه من هذه التجربة بشأن تحديات الاستجابة التي تواجه الأعمال الإنسانية في عصر يزداد فيه بطش الطقس والمناخ.

كان للأعمال الإنسانية منذ منتصف القرن العشرين تأثير ملموس على الحياة والمجتمعات، فالكوارث وخاصة المجاعات تقتل اليوم عددًا أقل بكثير مما كانت تقتله قبل فترة الستينيات، لكن التغييرات التي أحدثتها حالة الطوارئ المناخية تعني أن الكوارث ستصبح أكثر فتكًا ما لم يعدل قطاع المساعدات الإنسانية استراتيجيته، فعلى الرغم من كل ما قامت به الأعمال الإنسانية من خير، إلا إنها أوجدت أيضًا اعتمادًا على نظام يتفاعل مع الكوارث بدلاً من السعي إلى منعها.

وستتطلب مواجهة التحديات الجديدة إعادة التفكير في بعض المبادئ الأساسية للعمل الإنساني وتسريع الإصلاحات والتغييرات لإنشاء نظام أكثر مرونة واستباقية مبني على مبادئ الوقاية والمرونة والحوكمة اللامركزية للكوارث.

أولاً، يجب أن يصبح تحليل المخاطر والنمذجة جزء أساسي من الأعمال الإنسانية، فلطالما كانت أنظمة الإنذار المبكر التي يمكنها اكتشاف حالات الجفاف أو الفيضانات الوشيكة سمة من سمات الوقاية من الكوارث والتخفيف من حدتها (وربما ساعدت في الحد من عدد القتلى في فيضانات باكستان، وهو رقم يتجاوز الآن 1250) والنماذج التي تتنبأ بتأثير التغيرات في درجات الحرارة، والأمطار الغزيرة، وتفشي الأمراض والمتغيرات الأخرى تساعد المجتمعات بالفعل في الاستعداد لأسوأ الكوارث.

لكن الأنظمة الحالية تحتاج إلى مزيد من التمويل للمحافظة على أنشطتها، ويجب أن تكون الأنظمة الجديدة لامركزية وتعمل في كافة دول العالم لتعظيم فائدتها، ويجب مشاركة البيانات على نطاق أوسع بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني.

ثانيًا، يجب أن تتحول إدارة الكوارث من عقلية الاستجابة إلى عقلية تقليل المخاطر وبناء المرونة قبل وقوع الأزمات، ففي عام 1970، تسببت الفيضانات الناجمة عن إعصار هائل في مقتل حوالي 500000 شخص في بنغلاديش (التي كانت آنذاك جزءًا من شرق باكستان). في حين تسبب إعصار وفيضان مماثل في نفس المنطقة قبل عامين في مقتل 30 شخصًا، وذلك بفضل الإجراءات والسياسات الواسعة للتخفيف من آثار الفيضانات، وتستثمر الحكومات في دول جزر المحيط الهادئ مثل كيريباتي وفانواتو في البنية التحتية الصحية التي ستكون أكثر قدرة على تحمل الفيضانات والأعاصير، فضلاً عن إعداد خطط التأهب للكوارث المجتمعية للاستجابة بسرعة وفعالية أكبر.

وليست بلدان الجنوب العالمي وحدها من يعمل على جعل الأنظمة والبنية والمجتمعات أكثر مرونة، فقد خصصت حكومة ولاية كاليفورنيا مؤخرًا مبلغًا إضافيًا قدره 15 مليار دولار لتقليل المخاطر والتخفيف من تأثير حرائق الغابات، ويعد ضمان قدرة شبكات النقل والأنظمة الصحية والأنظمة الغذائية على تحمل الصدمات أمرًا حيويًا لحماية الفئات الأكثر ضعفًا أثناء وقوع الكارثة.

وغالبًا ما يُنظر إلى بناء المرونة والتأهب على أنه نشاط خارج نطاق مسؤولية قطاع الأعمال الإنسانية، حيث يُعتبر المستجيب الأول العالمي، ومع ذلك فإن هذا النشاط أساسي للتعامل مع الكوارث، ويجب أن يكون جزءًا أساسيًا من مهمة الأعمال الإنسانية.

والتغيير الثالث هو تغيير كيفية استجابة القطاع للكوارث نفسها، فهناك حاجة إلى إصلاحات لتسريع الحلول المحلية ودمجها بشكل أفضل والتي تضمن ظهور مجتمعات أكثر قدرة على الصمود في حالة الكوارث.

وفي أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب هايتي في عام 2010، تم توجيه سهام النقد للمنظمات الإنسانية لفشلها في العمل مع المنظمات المحلية والحكومية وغير الحكومية، مما أدى إلى إنشاء أنظمة متوازية ومنفصلة زادت من الاعتماد على المساعدات وجعلت إعادة بناء القدرات المحلية أكثر صعوبة.

وبالنظر إلى تلك الإخفاقات وغيرها، التزم القطاع الإنساني والجهات المانحة بتقديم المزيد من المساعدات والحلول من خلال المنظمات المحلية، ولكن كان إحراز التقدم بطيئًا ومحدودًا حتى الآن، وسيؤدي تضمين الاستجابات في السياقات المحلية، مع المشاركة النشطة من المجتمعات المتأثرة، إلى تعزيز تلك الاستجابات وتحسينها.

لكن العمل مع الجهات المحلية يحتاج أيضًا إلى الاندماج بشكل كامل في البنى التحتية العالمية والإقليمية، وقد لعبت الإمارات العربية المتحدة دوراً حاسماً في تنسيق الدعم لباكستان، في حين أن مدينة دبي العالمية للخدمات الإنسانية هي أكبر شبكة متنامية من المراكز الإنسانية التي يمكنها الاستجابة بسرعة للكوارث الإقليمية، ويمكن لمثل هذه البنية التحتية أن تدعم مد الجسور بين الاستجابات العالمية والمحلية.

وترى العديد من المنظمات الإنسانية أن بناء أنظمة أكثر قدرة على الصمود هو خارج نطاق اختصاصها، حيث تشعر بالقلق من أن أي شيء يتعامل مع عدم المساواة الاجتماعية قد يصبح مسيسًا بطريقة قد تتعارض مع المفهوم الإنساني للحياد، لكن الفشل في تلبية تلك الضرورة لن يؤدي إلا إلى استمرار الاعتماد على الاستجابات والمنظمات الخارجية وسيزيد من حدة الكوارث.

وتعد الخسائر البشرية المدمرة الناتجة عن الفيضانات في باكستان تحذير لنا جميعًا، ومع تسارع وتيرة تأثير حالة الطوارئ المناخية، ومع استمرار الدول الغنية في التهرب من مسؤوليتها في خلق تلك الكوارث، يموت الفقراء والضعفاء والمهمشون نتيجة لذلك. وتتم بالفعل مناقشة تلك القضايا داخل قطاع الأعمال الإنسانية، ولكن كما تذكرنا الفيضانات المروعة في باكستان، فإن الالتزامات والمناقشات وحدها لن تهيئ النظام الإنساني للتحديات المستقبلية.

 

مايكل جينينغز هو أستاذ في التنمية العالمية بجامعة “أس أو أي أس” في لندن، حيث يعمل في القضايا المتعلقة بالصحة العالمية وسياسة وتاريخ التنمية العالمية.