كيف تواجه الدول المنتجة للنفط وشركاته التحديات التي يفرضها تغير المناخ

روبن ميلز

تعقد منظمة أوبك، بصفتها منظمة معنية بصناعة الوقود الحفري، ومقرها فيينا، مؤتمر الأمم المتحدة “كوب 24” للمناخ وذلك بالقرب من مدينة “كاتوفيتسه” ببولندا. وكان إقليم “سيليزيا” الغني بالفحم، وفيه توجد مدينة “كاتوفيتسه”، قد وقع تحت سيطرة “فريدرش” ملك بروسيا. والآن، بات على الدول الكبرى المنتجة للنفط الاختيار ما بين مواجهة التحول إلى الطاقة الجديدة أو محاولة انتزاع حصتها من تلك الطاقة.

وتواجه جميع الأطراف العاملة في مجال النفط والغاز – شركات ودول – تحديين متشابهين، أولهما، ذلك الخوف المتنامي من التغير المناخي، واتضح ذلك خلال سلسلة المحادثات التي تضم مؤتمر الأطراف الرابع والعشرون، واتفاق باريس لعام 2015 وغيرها من المفاوضات الدولية المتعلقة بالمناخ. هذا وقد أشار أحدث تقرير صادر عن الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ إلى أن التغير المناخي المزعج يقتضي أن يكون معدل ارتفاع درجات الحرارة عالميًا أقل من 1,5 أو 2 درجة سلزيوس، وهو ما نص عليه اتفاق باريس. ويبلغ مقدار الاحتباس الحراري حتى هذا الوقت “1” درجة سلزيوس.

ونتيجة لذلك، هناك زيادة في التقنيات التي تعتمد على الوقود غير الحفري، حيث حقق استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أرقامًا قياسية لانخفاض تكلفتها، كما انخفضت أيضًا تكلفة البطاريات اللازمة لتخزين الطاقة المتجددة لفترات مؤقتة، وشهدت أسعار السيارات الكهربية ارتفاعًا حادًا. ومن المقرر إنشاء مصانع نووية ذات تصميمات جديدة أكثر أمانًا وأقل تكلفة من التصميمات السابقة.

وتضم قائمة أبرز الجهات المنتجة للنفط على شركات النفط الوطنية – ومنها شركة “أرامكو” السعودية، و”قطر للبترول”، ورسنفت، وبعض الشركات الدولية – ومنها شركة “شل”، و”إكسون موبيل”، و”توتال”. وهناك شركات مثل “إكونيور” (وتعرف قبل ذلك بـ “ستات أويل”) النرويجية، وهي شركة مملوكة للدولة غير انها تتعامل كشركة دولية. وتعد شركات النفط الوطنية القديمة مخازن الموارد الهيدروكربونية التي توفرها الدولالتي تملك تلك الشركات، باعتبار أن تلك الشركات هي في الغالب المحرك الأساسي للاقتصاد والصادرات والعائدات الحكومية.

وتستطيع تلك الشركات والدول الكبرى المعنية بالمواد الهيدروكربونية التفكير في ثلاث إستراتيجيات أساسية للمستقبل للتعامل مع التغير المناخي وتوفير مصادر جديدة للطاقة.

قد تستمر تلك الدول والشركات على نهجها الحالي من أجل تعظيم الأرباح قبل أن تظهر تأثيرات القيود المناخية والتكنولوجيا غير المعتمدة على النفط. إن التناقص الطبيعي في عدد الحقول المنتجة للنفط يدل على أن ثم حاجة إلى الاستثمار الضخم في إمدادات جديدة رغم انكماش الطلب على النفط. ومن المحتمل أن تظل دولٌ مثل المملكة العربية السعودية وروسيا من ضمن الدول التي تورد النفط بأقل تكلفة في العالم. إن الاستثمار في معامل التكرير في أبرز البلدان النامية مثل الهند والصين وخطوط الأنابيب التي تربط بهم قد يجعل لتلك الدول الموردة قدمًا داخل تلك الأسواق المستقبلية والنامية.

وقد تعتمد على الطاقة الهيدروكربونية المتوافقة مع المناخ، وفي سبيل هذا يجب عليها التحول تدريجيًا من النفط إلى الغاز، لأنه عند احتراق الغاز فإن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون تنخفض بنسبة “25%”، فضلاً عن الغاز أنظف وأكثر كفاءة من النفط. ويمكن أيضًا تحول النفط والغاز إلى منتجات بتروكيماوية وهي ما يلزم توافرها بكميات كبيرة على الدوام. وهناك الوقود الحيوي والذي تم إدراجه بالفعل ضمن البنزين والديزل، ورغم هذا فان هناك مخاوف بشأن الاستخدامات البرية التنافسية والتأثيرات السلبية على التنوع البيئي.

وتتم عملية امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه من خلال الحصول على الانبعاثات الناتجة عن مصانع الطاقة الكهربية التي تعمل بالفحم أو النفط أو الغاز والصناعات المتعلقة بها والتخلص منها في باطن الأرض، أو تحويل تلك الانبعاثات إلى منتجات مفيدة مثل السيراميك أو البلاستيك. وتمتلك شركات النفط خبرة في حقن السوائل في باطن الأرض، وفي العمليات الكيماوية. ومن خلال تحويل الغاز الطبيعي إلى هيدروجين، وامتصاص انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون يمكن إنتاج وقود مفيد في التدفئة المنزلية والأغراض الصناعية، واخيرا يمكن استخدامه كوقود للسفن والطائرات.

وحتى الآن، تنتهج شركات النفط الأمريكية بصورة كبيرة الطريقة الأولى، لأن ظهور الصخر الزيتي يمنحهم فرصة لا مثيل لها داخل عقر دارهم. ويشجع التغيير الذي حدث مؤخرًا على قانون الضرائب الأمريكية، شركات أمثال شركة “أوكسيدنتال” على التوسع في أنشطة امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون لاستخراج المزيد من النفط من الحقول الطبيعية.

بينما تنتهج معظم شركات النفط الوطنية مزيجًا من الإستراتيجية الأولى والثانية. وهناك شركات وطنية أمثال “بدفزا” قد وجدت صعوبة بالغة في المحافظة على نشاطها الرئيسي، بينما نجد أن شركة “أرامكو السعودية” وهي الشركة الأكثر تقدمًا في تطوير أنشطتها البتروكيماوية وذلك بعد استحواذها مؤخرًا على مواطنتها شركة “سابك”. وأعلنت شركة بترول أبو ظبي الوطنية مؤخرًا عن إستراتيجيتها والتي تتضمن تحولاً رئيسيًا إلى صناعة البتروكيماويات، فضلاً عن الاستثمار في الأسواق الناشئة، والاهتمام بنظرة مختلفة على الغاز والتوسع في مشروعات امتصاص الكربون وتخزينه.

ويختلف النهج الثالث اختلافًا جذريًا عن النهجين السابقين. ويهدف هذا النهج إلى التعرف على التحول التدريجي إلى الطاقة غير الكربونية ومنها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية واستخدام المركبات الكهربية والبطاريات. ويشكل الهيدروجين الناتج عن استخدام الفائض من الطاقة المتجددة أحد مصادر الطاقة التي تناسب مهارات شركات النفط، كما أن التوسع في عملية امتصاص وتخزين الكربون من البيئة المحيطة أو المخلفات الحيوية المحروقة (مخلفات المصانع) لتكوين “انبعاثات سلبية” – أي تقليص غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي بشكل فعلي – يعد تقنية تقوم عليها أحدث السيناريوهات التي تنشرها اللجنة الدولية للتغيرات المناخية.

وتمتلك شركات النفط العالمية من الخبرات والعمالة والسيولة النقدية التي تمكنها من تجربة هذا التحول في مجال الطاقة. وتسعى شركة “إكوينور” إلى استخدام طاقة الرياح المائية والتي تتشابه من أوجه عدة مع الطاقة المستخدمة في استخراج النفط من المياه. وباعت شركة “توتال” جزءًا من حصتها إلى شركات الطاقة الشمسية والبطاريات، في حين أنه من المزمع أن يستثمر قسم “الطاقة الجديدة” بشركة “شل” “2” مليار دولار أمريكي سنويًا من إجمالي نفقات رأس المال والتي تبلغ “25-30” مليار دولار أمريكي، وتستثمر الشركة فعليًا في تسويق الطاقة الكهربية التي قد تخدم السيارات التي تعمل بالبطاريات.

وتختلف الطاقة الخالية من الكربون – ابتداء من الطاقة الشمسية أو الرياح أو الطاقة النووية – اختلافًا كبيرًا عن إنتاج النفط والغاز، وهناك بالفعل شركات قائمة على تلك الصناعة وخبيرة بها. ولهذا يجب على شركات النفط العالمية المحافظة على هذا النموذج التجاري الحيوي والمربح مع التحول في الوقت ذاته إلى نشاط جديد – وهو التحدي الأصعب داخل المنظمة نفسها.

وبالنسبة لشركات النفط الوطنية، فإن المعضلة تبقى أكثر وطئة، لأن السبب من إنشاء تلك الشركات الوطنية هو حراسة الموارد الهيدروكربونية الأعلى والأقل تكلفة في العالم، والتي يكفي مخزونها وفقًا لمعدل الإنتاج الحالي من 50-100 عام. وهناك من قد يتخلى عن استخدام طاقة منخفضة الكربون وخلق صناعات جديدة، ويتجه إلى المركبات ذات الأغراض الخاصة كمدينة “مصدر” في أبو ظبي، أو صناديق الثروة السيادية.

وتستطيع تلك الشركات الوطنية نشر الطاقة المتجددة في المنازل، مع الاستمرار في تصدير النفط والغاز باعتبارهما المحرك الرئيسي للاقتصاد الوطني.

ولمصلحة الدول المضيفة، يتعين على شركات النفط الوطنية أن تحدد بالتفصيل حصتها الحاكمة في هذا الاقتصاد الخاص بالطاقة الجديدة.

AFP PHOTO/JACQUES DEMARTHON