ما جدوى دبلوماسية اللقاحات؟

مايكل جينينغز

AFP Photo: Tiziana Fabi

استقبل قاموس فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” مصطلحًا جديدًا، وهو: “دبلوماسية اللقاح”. وأبرمت روسيا والصين، وعلى مستوى أقل، الهند وإسرائيل، صفقات ثنائية لتوفير اللقاحات إلى دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط، في إطار الجهود المبذولة لنيل النفوذ والقوة الناعمة. ومع ذلك، من المرجح أن تكون نتائج هذه الجهود محدودة. ومن ناحية أخرى، ستنجح تلك الجهود في إظهار النفاق الذي يمارسه قطاع عريض من الدول الغربية.

والعلة في انتقاد دبلوماسية اللقاحات هذه – في الأساس من جانب الدول والمعلقين الغربيين- هو أن جهود الاستفادة من توفير اللقاحات لتعزيز المكانة والتأثير الدوليين هي جهود ساخرة وغير مجدية. ومن الجدير بالذكر أن جميع الأطراف مارست الدبلوماسية وسياسات القوة طوال فترة الجائحة. وبغض النظر عن الجهود التي بذلتها إدارة ترامب السابقة في الولايات المتحدة الأمريكية “لإلقاء اللوم” على الصين في تفشي الجائحة، أو جهود الصين لإظهار أنها دولة ذات مكانة ومسؤولية على الصعيد العالمي من خلال شحن معدات الوقاية الشخصية حول العالم، أو الخلاف الأخير بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حول اللقاحات، بات الفيروس وطريقة التعامل معه ساحة لممارسة دبلوماسية القوة.

والسؤال هو ما إذا كانت المشاركة الأخيرة في السياسات العالمية المتعلقة بالفيروس ستنجح في منح التأثير والدعم والقوة الناعمة. لطالما كانت المساعدات الدولية أداةً من أدوات القوة الناعمة الموثوق بها. والقوة الناعمة في المجمل هي القدرة على تحقيق الأهداف والمصالح الوطنية من خلال الجذب والاختيار المشترك، وليس من خلال الأوامر أو المعاملات. ونتيجة لذلك، تكمن القوة الناعمة في الترويج للقيم السياسية للحكومة الوطنية وطموحاتها المتعلقة بالسياسة الخارجية، وسلطتها الأخلاقية، وهو ما يجعل الدول الأخرى ترغب في دعمها.

وبعبارة أخرى، لم تخرج القوة الناعمة من رحم صفقة بسيطة أو عملية تبادل للسلع (بل سنمحنك اللقاح في المقابل، أو كمكافأة، من أجل غاية محددة)، ولكن من خلال نشر أخبار عن الحكومة، ومنها تكتسب تلك الحكومة سمعتها بالمسؤولية العالمية والقوة وهو عامل جذب للقوى الأخرى، والتي قد تكون أكثر استعدادًا لتقديم دعمها عند الحاجة.

وبموجب هذا التعريف، ربما تستخدم إسرائيل اللقاحات بطريقة تجارية أكثر – فعلى سبيل المثال، هناك مزاعم بأن إسرائيل تُمول تكلفة اللقاحات لسوريا مقابل إطلاق سراح أحد مواطنيها. ومن منظور القوة الناعمة، يمكن القول إن إسرائيل قد تربح أكثر من خلال التركيز على توفير اللقاحات لفلسطين.

وبالنسبة لروسيا والصين، فإن مشاركتهما في دبلوماسية اللقاح تركز بشكل أكبر على تعزيز سمعتهما كقوى عظمى عالمية مسؤولة. وفي حالة روسيا، باتت المشاركة في دبلوماسية اللقاح جزءًا من جهد متضافر لمواجهة الروايات التي ركزت على الديمقراطية وحقوق الإنسان وفساد الحكم في روسيا، ومغامرات السياسة الخارجية مثل تسمم ساليسبري وأليكسي نافالني.

وبالنسبة للصين، تمثل المشاركة في سياسة اللقاح جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد لترسيخ مكانتها من خلال المساعدات والاستثمار على المستوى الدولي، والالتزام بمناقشة قضية التغير المناخي، ومن خلال الانخراط في قضايا الصحة العالمية لتعزيز مكانتها كقوة عظمى منفتحة على العالم من حولها وتشارك في الأنشطة العالمية، وهو ما قد يجعلها منافس للولايات المتحدة الأمريكية في شرعيتها الأخلاقية على المسرح العالمي.

ولكن، هل ثمة احتمال لنجاح دبلوماسية اللقاح هذه؟. إذا ما نظرنا إلى المانحين الاسكندنافيين، على سبيل المثال، وخاصة النرويج، سنجد بعض المؤشرات. إن دور النرويج كقوة عالمية يتناقض مع حجمها السياسي والاقتصادي. والسبب في أن العالم يحترم دولة النرويج، ويستمع لها، هو نجاحها في ترسيخ سمعتها من خلال ما تقوم به في جميع أنحاء العالم من أعمال شرعية تتسم بالمسؤولية والحياد والأخلاق. كما أن الميزانية التي تخصصها للمساعدات هي من بين الميزانيات الأضخم في العالم. ولا تقصد النرويج أية أغراض من المساعدات – سوى التركيز على الفقر بدلاً من المصلحة الذاتية. وفوق كل شيء، تتسم دولة النرويج بأفعالها المتسقة.

وفي هذا إشارة إلى أن الأنماط التجارية لدبلوماسية اللقاح لن تنجح – وسيظل الأصدقاء أصدقاء، وسيبقى الآخرون متشككين في الدوافع.

وبالنسبة لروسيا والصين على وجه الخصوص، هناك مكاسب كبيرة يمكن تحقيقها من القوة الناعمة، لكنها ليست بالضرورة تلك المكاسب التي تحقق عوائد فورية، أو تشهد تغييرات هائلة في سياسات القوة العالمية في مناطق مثل الشرق الأوسط أو أفريقيا جنوب الصحراء (وهي المنطقة التي تعرضت لمبادرات تنافسية من روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والوافدون الجدد على طريق المساعدات الدولية المتعلقة بالقوة الناعمة، مثل تركيا والمملكة العربية السعودية). ومن شأن تلك المكاسب إذا ما تحققت أن تعزز من سمعتهم وصورتهم العالمية من عدة جوانب هامة.

ولكن دبلوماسية اللقاحات لن تؤثر على النظام العالمي لهذا الكون، ولن تهدد دور الولايات المتحدة أو المانحين الأوروبيين في مناطق مثل الشرق الأوسط أو أفريقيا جنوب الصحراء، على الأقل، لأن كميات اللقاح المقدمة صغيرة نسبيًا، وبمجرد إنشاء مرفق “كوفاكس” متعدد الأطراف وتشغيله، سيتمكن العالم من الحصول على اللقاح.

وفي إفريقيا والشرق الأوسط، لم تحل المساعدات الصينية (التنموية والصحية وغيرها) محل المانحين الآخرين، ولكنها أضافت إليهم. وفي الواقع، شعرت العديد من الحكومات في كثير من الأحيان بالقلق من المساعدات والاستثمارات الصينية، وربما تكون أثارها أقل ووضحًا ويسهل احتوائها مقارنة بالمساعدات المقدمة من المانحين الغربيين.

إن ما جعل اللصين وروسيا يستكملان دبلوماسية اللقاح هو فشل الحكومات الغربية في الوفاء بالتزاماتها في توريد اللقاحات لمرفق “كوفاكس”. وكما أن توفير الصين وروسيا للقاحات يعزز من مصداقية الدولتين، فهناك ربما ما هو أهم من ذلك وهو الكشف عن أولوية الحكومات الغربية أمام سكان العالم. وما ظهرت حقيقة بعض الروايات التي تتحدث عن اهتمام تلك الحكومات بمصلحتها الذاتية، وتمييز نفسها عن الآخرين، فضلاً عن إهدارها فرصة لإنشاء قوتها الناعمة، إلا بسبب تقاعس تلك الحكومات.

وستحصل البلدان الواقعة في جنوب الكرة الأرضية على اللقاحات من حيث ما يمكنها الحصول عليها. ولكن كما هو الحال مع جميع المساعدات، قد تكون وعود الصداقة أقل ثباتًا وأدوم مما قد يتمناه من يقدمون الهدايا.

 

مايكل جينينغز، مساعد مدرس في التنمية الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، بجامعة لندن، وهناك يدرس القضايا المتعلقة بالصحة العالمية، وسياسة وتاريخ التنمية العالمية.