كيف تحولت تركيا من سياسة “الحفاظ على علاقات طيبة مع الجوار” إلى إثارة المتاعب في كل مكان

جوزيف دانا

AFP photo: Turkish Defense Ministry

ماذا حدث للسياسة الخارجية التركية الناعمة؟، منذ وقت ليس بالقصير أدركت تركيا أن سياسة “عدم إثارة المتاعب مع الجيران” باتت محببة في الأوساط الجيوسياسية على المستوى الدولي، وفي حقبة ما بعد العام 2000 قضى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان 10 سنوات لبناء مدينة اسطنبول، وتحويلها إلى نقطة اتصال عالمية في مجالات السفر والتجارة وبسط النفوذ.

وبدأت الخطوط الجوية التركية المملوكة للدولة في تسيير رحلات إلى أماكن مثل مقديشيو، لتصوير تركيا على أنها القوة التي تستطيع توحيد الأطراف على المستوى الدولي، وفي الداخل قامت تركيا بضخّ استثمارات في مجال البنية التحتية للطاقة، وذلك من أجل أن تصبح مركزًا محوريًا للعبور يربط دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط والغاز بالقارة الأوربية.

وكانت الأمور تسير على ما يُرام… حتى حدث ما لا يُحمد عقباه، فقد وقفت تركيا إلى جانب الطرف الخطأ خلال موجة الربيع العربي، ثم وجدت نفسها معزولة بعد القضاء على جماعة الإخوان المسلمين في مصر ودول أخرى. وما ضاعف من تلك العُزلة الجيوسياسية هي أفعال أردوغان العدوانية، ولا يوجد مثال أوضح على ذلك من البيئة المعقدة الغنية بالغاز في شرق البحر المتوسط.

وخلال هذا الأسبوع أرسل أردوغان سفينة تنقيب بحرية محاطة بالسفن الحربية، من أجل التنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها قبالة سواحل قبرص الشمالية. وقد تمثّل رد فعل أنقرة على حالة الغضب الدولية بسبب تلك الخطوة، بالقول أنها جاءت بالتوافق مع الاتفاقية الجديدة المُبرمة بين تركيا وليبيا لإنشاء ممرات ملاحية بين الدولتين. ومن وجهة نظر تركيا فإن أية حقول للغاز الطبيعي في تلك المياه يجب أن تكون من حق مواطني جمهورية شمال قبرص التركية،وهي الدولة التي لم يعترف بها أحد سوى تركيا، والتي تعُد مصدرًا للتوتر الدائم بين تركيا وباقي الجزيرة القبرصية، ونعني بها جمهورية شمال قبرص المُعترف بها دوليًا.

وهناك مجموعة من الروايات المتداخلة التي تؤكد على أفعال تركيا العدوانية والغير مبرره في هذا الإطار.

في نهاية التسعينات من القرن الماضي اكتشفت إسرائيل حقلًا ضخمًا للغاز الطبيعي قبالة السواحل الشمالية الإسرائيلية، وبينما تشعر تركيا بأنها مٌباركة بسبب موقعها الجغرافي المثالي؛ فإنها لا تملك أية ثروات من النفط أو الغاز، ومن ثم فقد أصبح حقل الغاز الطبيعي الذي اكتشفته إسرائيل يمثل فرصة ذهبية لتركيا تسمح لها بالتحول إلى مركز حيوي للطاقة، عبر نقل الغاز الإسرائيلي والنفط العراقي إلى الأراضي الأوربية، وهذا يستوجب إبرام اتفاقية معقدة بين كل من إسرائيل وتركيا واليونان وقبرص، من أجل مد خط أنابيب أسفل مياه شرق البحر المتوسط، وبعد سنوات من المفاوضات والإخفاقات تم التوقيع على الاتفاقية في نهاية العام 2019 – لكن بدون تركيا.

وقد ردّت أنقرة على تلك الخطوة بإبرام اتفاقية مع ليبيا لإنشاء ممرات ملاحية بين البلدين، بهدف مد خط أنابيب من ساحل الشمال الأفريقي مرورًا بمنطقة شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي، حيث يمتد خط الأنابيب إلى تركيا. وحتى الأسبوع الماضي كانت هناك أطرافًا عدة بما فيها الاتحاد الأوربي تعتقد أن تركيا ستمضي قدمًا وتعلن ملكيتها لتلك الخطوط البحرية، لكن ثبت أن الجميع كان على خطأ، وبدا أن سياسة تركيا الخاصة “بعدم إثارة المتاعب مع الجيران” قد ذهبت أدراج الرياح.

وإذا نظرنا إلى تلك الأحداث من المنظور الأوسع الخاص بحُكم أردوغان لتركيا، فسنرى استراتيجية للقيادة تتسم بالتمزق، فقد فرض أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) سطوتهما بفضل سياسة اقتصادية راسخة وتطوير البنية التحتية واتباع أسلوب القوة الناعمة في السياسة الخارجية، والواقع أن عدد لا يستهان به من المحافظين المتدينين قد انضم لهذا المعسكر، لكن طالما أن الاقتصاد التركي يسير بصورة جيدة، وموقف أنقرة على المستوى الدولي يتسم بالاستقرار، فإن غالبية الأتراك لن يعيروا اهتمامًا لأي قضايا أخرى.

لكن على أي حال فإن هذا الوضع قد تغيّر، وفي أعقاب الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في العام 2011، بات واضحًا أن أردوغان يحلم ببناء “إمبراطورية عثمانية جديدة”، وقام أردوغان بسحق المعارضة في الداخل، كما افترض أن موجة الربيع العربي ستقدم له فرصة ذهبية لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بحضور تركيا، التي باتت قوة إقليمية صاعدة بسبب ما شهدته من نموًا اقتصاديًا في العقد الماضي.

وحينما بات واضحًا أن افتراضه كان خاطئًا؛ وبدلًا من أن يقوم بتغيير سلوكه؛ بدا أردوغان أكثر اهتمامًا ببسط سيطرته الشخصية، وقام بتغيير النظام السياسي حتى يضمن لنفسه السلطة المطلقة، ونتيجة لذلك، بات الاقتصاد التركي يكافح من أجل النهوض، وفقد حزب العدالة والتنمية سيطرته على اسطنبول، كما أخفقت أنقرة في إتمام مشروع خطوط الأنابيب أسفل مياه شرق المتوسط.

ولن نبالغ إذا ما وصفنا مدى أهمية خطوط الأنابيب تلك للاقتصاد التركي ولصورة تركيا ذاتها، فتلك الأنابيب ستمثل لتركيا موردًا ماليًا منتظمًا، تستطيع من خلاله الإنفاق على المشاريع التي تهدف إلى التفاخر، مثل شق قناة اسطنبول الجديدة.

وبدلًا من الاستهزاء بالقانون الدولي، فإن تركيا بحاجة إلى العودة إلى سابق عهدها بالأفعال الجيدة، وعلى سبيل المثال فإن أنقرة لديها زراعة وتكنولوجيا زراعية مزدهرة بفضل مصادر المياه الوفيرة، والتركيز على تدعيم هذا القطاع سيجعل تركيا قادرة على أن تتبوأ مركز القيادة في المنطقة مره أخري، كما أنه سيؤدي إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها تركيا، وذلك بالتأكيد سيعود بالنفع على البلاد بدلًا من التورط في مغامرات جيوسياسية لا طائل من ورائها.

والأكيد أن هذا التحول سيتطلّب من أردوغان وداعميه في حزب العدالة والتنمية أن يتخلّى جميعهم عن طموحات الإمبراطورية العثمانية الجديدة، وإذا نظرنا إلى الإخفاقات الأخيرة في ليبيا كمثال، فإن تلك العملية ستكون في غاية الصعوبة.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.