ما هي وجهة النظر بشأن المكافآت الروسية لقتل القوات الأمريكية: هل هو “انتقام” تاريخي، أم عدم كفاءة البيت الأبيض؟

الين ليبسون

AFP Photo: Mark Makela / Getty Images North America

إذا أردنا أن نفهم بشكل صحيح أهمية الادعاء بأن روسيا دفعت لمقاتلي طالبان أموالاً لقتل الجنود الأمريكيين في أفغانستان، فيجب أن نعترف بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد طبقت خططًا مماثلة ضد القوات السوفيتية. وليس الفرق بين تلك الأفعال حينها وبين الوقت الحاضر هو ما تفعله الدول لتعزيز مصالحها، ولكنه ما تفعله عندما تتعلم مثل هذه الأعمال من خصومها. وكالعادة، لا تتضح الأمور إلا في إطار الظروف المحيطة بها.

وعلى الصعيد التاريخي، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية وسائل مدمرة لطرد السوفييت من أفغانستان خلال فترة الثمانينيات. ومنها برنامج سري لتدريب المجاهدين الأفغان وتزويدهم بالمعدات كالصواريخ المحمولة على الكتف، وألحق هذا البرنامج خسائر فادحة بالقوات السوفيتية، ودفع موسكو إلى اتخاذ قرارًا بالانسحاب من أفغانستان في عام 1989، بعد عِقد من الهيمنة هناك.

هل قصة المكافأة دليل على الانتقام، “وارتداد عن سياسة الإنصاف”؟. يقول العلماء الروس بأن الرئيس “فلاديمير بوتين” يشعر برغبة عميقة لاستعادة العظمة الروسية، والتخلص من الشعور المرير بتلك الإهانة على وجه الخصوص. حيث فقدت روسيا أكثر من 15000 جندي في أفغانستان، وإلى جانب العمليات الأمريكية في بولندا لدعم حركة التضامن، أدرك القادة الروس أن الولايات المتحدة الأمريكية استغلت نقاط ضعف روسيا، مما أدى إلى تسريع انهيار الاتحاد السوفيتي.

وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن نواياها لمغادرة أفغانستان فعليًا، وأن حركة طالبان هي المسؤولة عن قتل القوات الأمريكية وغيرها من القوات خلال عمليات المقاومة طويلة الأمد. وقد يساهم الدعم الروسي بمختلف أنواعه في تحقيق استراتيجية طالبان، ورغم ذلك، لا يمكن اعتباره عاملاً رئيسيًا في تحول العلاقات الأمريكية المضطربة مع أفغانستان من حرب شاملة، إلى الاتفاقية الأخيرة مع طالبان، ثم إلى استراتيجية الخروج السلمي.

وهناك عامل آخر يجب أخذه بعين الاعتبار وهو العلاقة المتوترة بين الرئيس دونالد ترامب ومجتمع الاستخبارات الأمريكي. واستغلت الصحافة الأمريكية هذا الجانب من القصة، وكشفت الصحافة عن أن قصة “المكافأة” تم تضمينها في مواد الإحاطة في شهر فبراير، ولكنها ليست جزءًا من العرض الشفوي الذي قدمه المتحدث باسم الرئيس. وأوضح البيت الأبيض بطريقة غير احترافية أنه ما كان، ولا ينبغي، الكشف عن تلك القصة إلا بعد التأكد منها من المصادر التي تقدم المعلومات.

ومن الأمور الأخرى التي تثير قلق المتخصصين في المخابرات هو إلقاء اللوم عليهم في احتمال فشل فريق الرئيس نفسه في إدراك أهمية القصة وإيجاد الطرق المناسبة لمناقشتها مع الرئيس. ويجد بعض الملاحظين أن تلك الحادثة تجسد الأجواء داخل البيت الأبيض حيث يتجنب الموالون السياسيون الموضوعات التي يعرفون أنها ستثير استياء الرئيس، وذلك خوفًا من غضبه، وربما، من الإضرار بوضعهم ومناصبهم.

وهناك حالة من الإحباط لدى الجيش الأمريكي بسبب عجزهم عن إقناع الرئيس بالاهتمام بهذه المسألة ومعالجتها. وكان التواصل مع روسيا لأول مرة عبر القنوات العسكرية، وواجهت القيادة الأمريكية مخاطر عالية هناك، على أقل تقدير. ولا يوجد حتى الآن أي دليل واضح حول وجود رابط بين الإصابات في صفوف القوات الأمريكية مؤخرًا وبين والتعاون المزعوم بين روسيا وحركة طالبان، ولكن حتى بدون بيانات مؤكدة، يجب أن يكون واضحًا أن أي تهديد محقق للقوات الأمريكية المنتشرة في الخارج هو في العادة قضية يمكنها جذب الاهتمام السياسي في البيت الأبيض.

ويبدو أن ثمة إجماع حول أن العلاقات الأمريكية الروسية هي السياق الأكثر صلة لفهم هذه القضية. إن رفض الرئيس مواجهة حقائق السلوك الروسي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية- بدءًا من التدخل في الانتخابات والأعمال العسكرية في أوروبا، وصولاً إلى هذه التصريحات الجديدة حول أفغانستان – هو التفسير الأكثر منطقية لهذه القضية. ويرفض الرئيس مجرد القبول بأنه من الواجب عليه التعامل مع تلك الجوانب غير المريحة لهذه العلاقة المشحونة. ولم يمنع البيروقراطيين من تطوير برامج تتعلق بروسيا، مثل العقوبات أو المناقشات السياسية حول شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، أو الإجراءات المحلية لحماية آلات التصويت، والتي يمكن أن تحدث دون تدخله المباشر.

ويبدو أن ترامب يعظم بشدة علاقته مع بوتين، لكنها لم تتطور كعلاقة الأقران. ومن الواضح أن اليد العليا للرئيس “بوتين” كما تبين في قمة هلسنكي لعام 2018، عندما استخف ترامب علناً بالمخابرات الأمريكية، وأخبر العالم أنه يثق في كلمة بوتين بشأن المعلومات التي تقدمها حكومته. وقد وصفت كاتبة العمود “آن أبلباوم” بوضوح في مقال نشر مؤخرا في صحيفة “ذا أتلانتك” كيف يبدو ترامب ضعيفًا في حضور المستبدين: “وكان المشهد أشبه بمشاهدة شخص أقل شهرة يتقابل مع شخص أكثر شهرة. ولم يتحدث “ترامب” مع هؤلاء المستبدين بصفته ممثلاً عن الشعب الأمريكي. وإنما أراد فقط استشعار هالة سلطتهم المطلقة- وقسوتهم الشديدة وشهرتهم الواسعة – ليتشبه بهم ويعزز صورته الخاصة.”

وعلى المدى الطويل، قد يثبت أن حادثة تورط روسيا في هجمات طالبان على القوات الأمريكية في أفغانستان مجرد تفاصيل صغيرة في قصة كبرى حول الانحدار الأمريكي. ويعد تآكل جزءًا من قوة أمريكا ونفوذها عبارة عن نتيجة طبيعية للرخاء المتزايد والقوة الناتجة عن العولمة. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن ذلك الرجل صعب المراس في البيت الأبيض قد أظهر مرارًا وتكرارًا افتقاره إلى الكفاءة اللازمة للتعامل مع العلاقات الدولية، وفي هذا الأمر، تهديدًا واضحًا لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان يمكن لأي رئيس آخر التعامل معها بشكل مختلف تمامًا.

 

إلين لايبسون، نائبة سابقة لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية، وتشغل الآن منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، وهي رئيسة سابقة ومديرة تنفيذية لمركز ستيمسون في واشنطن.