كيف فتحت رحلة واحدة إلى القمر العديد من الابواب في مجال التعاون الدولي

Mohammed Baharoon

Image courtesy of Giuseppe Cacace / AFP

أُرسلت إشارة مؤخرا من جسم فضائي ثمين بعد أيام قليلة من رحلة قطعها في اتجاه القمر وعلى بعد أكثر من 444,000 كيلومتر من الأرض، وأكدت تلك الإشارة التي تلقاها العلماء في مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي أن كل شيء يسير على ما يرام وأن أنظمة المركبة الصغيرة ذات الأربع عجلات تعمل بشكل صحيح، وسيهبط المكوك الياباني، الذي يحمل المركبة الإماراتية الصنع، على فوهة أطلس على سطح القمر في وقت ما من شهر أبريل القادم.

وأرسل المسبار المسمى راشد، أول اتصال له بعد وصوله إلى مدار القمر على متن مركبة الهبوط “هاكوتو -أر”، وكانت تلك الإشارة لحظة فخر كونها أحدث إنجاز علمي لبرنامج الفضاء الإماراتي، لكن الأمر لم يكن مجرد نجاح تكنولوجي، بل كان أيضا إنجازا لصنع السياسات المحلية والخارجية على حد سواء في عصر استكشاف الفضاء الذي تقوده دول أصغر حجما.

وقد هيمنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على أنشطة استكشافات الفضاء في الماضي وأصبحت تلك الأنشطة امتدادا للحرب الباردة حيث تسابقت القوتان العظميان للتفوق على بعضهما البعض. ومع تحسن العلاقات، كان التعاون في مشروع محطة الفضاء الدولية (أي سي سي) أحد أقوى الرموز لمزيد من العلاقات السلمية بين الجانبين، وحتى اليوم، ومع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا مرة أخرى، لا تزال محطة الفضاء الدولية واحدة من مجالات التعاون القليلة المتبقية.

والتعاون في الفضاء حاليا أوسع بكثير ويشمل المزيد من الدول والكيانات الخاصة، خذ على سبيل المثال المركبة القمرية الإماراتية، حيث تم تصميم المركبة وبناؤها في الإمارات وتم حملها بواسطة مركبة هبوط صنعتها شركة “أي سبيس” اليابانيةـ وتم إطلاقها بواسطة صاروخ سبيس إكس فالكون 9 في 11 ديسمبر من فلوريدا. وكانت مهمة الأمل الإماراتية، التي وصلت إلى المريخ قبل عام، على قدر نفس المستوى من التعاون.

وعلى الرغم من استمرار التعاون العلمي بين دولة الإمارات العربية المتحدة والقوى العظمى الفضائية الكلاسيكية مثل روسيا والصين، إلا أن التعاون الحقيقي هو قائم بين الإمارات وكوريا الجنوبية واليابان، وهو تعاون مرتكز على فهمهم أنه بدون نقل المعرفة الحقيقية، لا يمكن أن تكون هناك علاقة طويلة الأمد. وحدث الشيء نفسه مع الصين خلال جائحة كرونا حيث تم تطوير الشراكة في مجال تطوير القدرة على الاختبار وكذلك اختبار وإنتاج لقاح مع الصين وليس مع أي من الحلفاء التقليديين مثل الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو أوروبا.

ويعكس التعاون في المجالات العلمية، بما في ذلك ملف الفضاء، الدور الجديد للقوى المتوسطة، لأنها لا تعمل يدا بيد في مجال التكنولوجيا فحسب، ولكن في القضايا العالمية. إن تعاون دول مثل دولة الإمارات وكوريا الجنوبية واليابان والهند يرسم صورة جديدة لكيفية اكتساب القوى المتوسطة لوزن جديد وتحمل مسؤوليات جديدة. وهذا لن يبقى في الفضاء أو حتى في العلوم والتكنولوجيا فقط، بل سينتشر عبر مجالات أخرى من العلاقات والدبلوماسية، ويمكن أن يكون هذا التعاون السمة المميزة لنظام عالمي جديد غير قطبي بطبيعته ومبني على التعامل مع المصالح الوطنية والتحديات العالمية على حد سواء.

في ورشة عمل في أبو ظبي حول مستقبل الاقتصاد الأزرق، أشار مساعد وزير الخارجية الإماراتي المعين حديثا للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة السيد “عمران شرف”  إلى أن مهمة الإمارات إلى القمر كانت أكثر تعقيدا بنسبة 10 مرات من المهمة إلى المريخ، لكن المهمة المخطط لها إلى حزام الكويكبات ستكون أكثر صعوبة بنسبة 10 مرات أخرى من مشروع الإمارات لاستكشاف القمر.

وبقدر ما يعد هذا دليلا واضحا على حقيقة أن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تبحث عن إنجاز تذكاري، بل ترى الفضاء كمجال للتعاون العميق والمستقبلي مع الشركاء، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الشركاء من أصحاب الوزن الثقيل في علوم الفضاء مثل الولايات المتحدة وروسيا. إن تعيين مساعد وزير للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة يسلط الضوء على حقيقة أن هذا مجال رئيسي للتعاون الدبلوماسي كما تراه دولة الإمارات العربية المتحدة.

إن السفر في الفضاء، سواء كان إلى  القمر أو إلى المريخ أو إلى حزام الكويكبات، له آثار على السياسة الداخلية والخارجية، ويغذي برنامج الفضاء الإماراتي التقنيات المتقدمة الأخرى مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، لقد أصبح حجر الزاوية في استراتيجية التنويع الاقتصادي لدولة الإمارات العربية المتحدة نحو اقتصاد المعرفة، وقد تطلب ذلك من دولة الإمارات العربية المتحدة القيام  بإصلاح شامل لأنظمتها التعليمية، وتطوير صناديق جديدة للبحث والتطوير، وإنشاء هياكل حوكمة جديدة ذات توجه علمي، بما في ذلك المناصب الوزارية والهيئات الحكومية.

ربما تكون مركبة راشد رائدة في اكتشاف القمر، ولكن هنا في الإمارات العربية المتحدة وجدت بالفعل مجالات جديدة للتعاون ما كان لنا تخيلها من قبل، لقد جمعت الشراكة القائمة على نقل المعرفة والمجالات المشتركة للبحث بين دول متنوعة جغرافيا مثل الإمارات واليابان، وتجمع الأعداء التقليديين مثل الإمارات وإسرائيل، إن أساس ذلك التعاون والتحالفات الجديدة ليس الإيديولوجية ولا التنافس الجيوسياسي. إنه فهم مشترك للتهديدات المشتركة التي تواجه البشرية جمعاء.

إن تعاون القوى المتوسطة سيكون أساس النظام العالمي الجديد، سواء كان ذلك التعاون في الفضاء الرحب أو في أعماق البحار.

 

محمد عبدالرحمن باهارون هو المدير العام لمركز دبي لبحوث السياسات العامة (بحوث).