ما احتمال أن تلعب الهند دور الوسيط في السلام الإسرائيلي-الفلسطيني؟

حسن الحسن

في مؤتمر صحفي مشترك بمناسبة زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لرام الله، لم يفوت الرئيس الفلسطيني محمود عباس فرصة تبليغ رسالته الرئيسية، والمتمثلة في دعوة الهند للعب دور قيادي في عملية سلام ترعاها مجموعة من الدول، معبراً عن استيائه إزاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، وهو قرار قال إنه تسبب في “انسداد الأفق السياسي”. كما ذكَّر الرئيس الفلسطيني مودي بالدور الريادي الذي قامت به الهند في حركة عدم الانحياز ودعمها التاريخي للقضية الفلسطينية، وهو إرث كرَّمه مودي في زيارته لضريح الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، المعروف في الهند بلقب أبو عمار.

إلا أن آمال عباس كانت في غير موضعها؛ فرغم اعتراف مودي بالدعم التاريخي الذي قدمته الهند للقضية الفلسطينية، إلا أنه رفض بشكل واضح الإقرار بملتمس عباس يشأن قيام الهند بلعب دور في عملية سلام الإسرائيلي-الفلسطيني يعاد إنعاشها برعاية مجموعة من دول. وبدل مناقشة عملية السلام أو وضعية القدس أو حق اللاجئين الفلسطينيين في الرجوع إلى أراضيهم، تحدث مودي مطولاً عن حديقة تكنولوجية ومعهد للدبلوماسية تأمل الهند في إنشائهما في رام الله. وقد كان أقرب ما وصلت إليه تصريحات مودي من مخاوف عباس تأكيده على أهمية “تحقيق الأمن للجميع”.

إن الكثير من العرب، بمن فيهم عباس على ما أظن، يتذكرون دعم الهند للقضية الفلسطينية منذ أيام الحرب الباردة. فعند إصدار قرار تقسيم فلسطين من طرف الأمم المتحدة سنة 1947، كانت الهند من بين قلة من الدول التي اعترضت على مخطط الدول الغربية، حيث اقترحت إنشاء دولة اتحادية فلسطينية مستقلة بدل حل التقسيم. وبصفتها زعيمة حركة عدم الانحياز، رفعت الهند شعار التضامن مع دول العالم الثالث والقضية الفلسطينية. وقد كانت الهند ضمن أول مجموعة من الدول التي اعترفت بدولة فلسطين سنة 1988، وقامت لاحقاً بمنح امتيازات دبلوماسية كاملة لممثلي الدولة الفلسطينية. ولمدة تجاوزت أربعة عقود، كانت الهند ضمن أقلية من الدول غير العربية أو غير المسلمة التي رفضت إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

لكن في سنة 1992، أصبحت الهند ثالث دولة كبرى تبدأ في بناء علاقات دبلوماسية مع إسرائيل خلال بضعة أشهر فقط، بعد روسيا والصين. فالظروف قد تغيرت: حيث إن الحرب الباردة انتهت منذ ثلاث سنوات، وكانت الهند، وهي في أمَس الحاجة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، تأمل في نيل دعم الولايات المتحدة عبر تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ومع ذلك، حرصت الحكومات التي تعاقبت على الهند على إظهار توازن في علاقاتها مع كل من إسرائيل وفلسطين خشية إغضاب الدول العربية، وتنفير ساكنتها المسلمة، وفتح المجال أمام انتقادات اليسار السياسي الهندي.

وقد استمر هذا الوضع حتى وصول حزب “باهاراتيا جاناتا” (حزب الشعب الهندي) للسلطة، آنذاك ازدهرت العلاقات الهندية-الإسرائيلية في عهد حكومة “باهاراتيا جاناتا” السابقة بقيادة رئيس الوزراء أتال فاجبايي. وفي سنة 2003، استقبلت الهند رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، الرجل الذي يعتبره الكثيرون، خاصة في العالم العربي، مجرم حرب. والواقع أن حزب “باهاراتيا جاناتا”، الذي ينتمي له مودي، ينتسب لـ”عائلة” تتكون من مجموعات هندوسية يمينية، يشار إليها غالباً بمسمى “سانغ باريفار” أو العائلة الهندوسية، والتي تنظر لإسرائيل بإعجاب كبير. فالقوميون الهندوس يتفهمون مشروع إسرائيل الساعي لإنشاء دولة نقية عرقياً، ويشاركونها خوفها من التهديد الإسلامي، ويعجبون بنجاحها رغم كونها محاطة بالأعداء.

ومنذ توليه منصب رئيس الوزراء، دفع مودي في اتجاه تطبيق سياسة “فصل” في علاقات الهند مع كل من إسرائيل وفلسطين. وينطوي هذا الفصل ظاهرياً على إقامة الهند لعلاقات ثنائية مع كل طرف بشكل منفصل، دون ربط سياستها نحو إسرائيل بالقضية الفلسطينية أو العكس. لكن يبدو أن مودي قد فشل حتى الآن في الامتثال بشكل كلي لسياسته الجديدة، حيث ما تزال مظاهر الحفاظ على التوازن تحكم تحركاته الدبلوماسية؛ وتعتبر كل من زيارته لتل أبيب في 2017 ولرام الله في أوائل هذا الشهر هي الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي.

لكن بغض النظر عن المظاهر، يبدو أن الفصل قد يحمل تداعيات مهمة بالنسبة لموقف الهند تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. فهو يشير إلى أن الهند بقيادة مودي، الذي أشاد به نتنياهو خلال زيارته لدلهي في يناير ووصفه بـ”القائد الثوري”، لن تبطئ تعاونها مع إسرائيل مراعاةً لمشاعر الفلسطينيين. ورغم انضمام الهند لـ127 دولة أخرى في دعمها لقرار الأمم المتحدة الذي يدين قرار ترامب بشأن القدس، إلا أنها تجنبت اتخاذ موقف قوي تجاه الموضوع. وربما اطمأنت الهند لعلمها أنه لم يكن من المرجح أن يثير تصويتها خلافاً دبلوماسياً مع تل أبيب، خاصة بالنظر للانعزال الدبلوماسي الذي تواجهه إسرائيل.

ولسوء حظ عباس، تعتمد الوساطة الفعالة بشكل كبير على الرغبة في تحميل الأشخاص الذين يقوضون عملية السلام، مثل نتياهو، مسؤولية أفعالهم. لكن لا يجب أن ينتظر عباس ولا الفلسطينيون من مودي إلقاء اللوم على نتنياهو في وقت قريب بسبب سياسات حكومته الكارثية تجاه الفلسطينيين.

AFP PHOTO / ABBAS MOMANI