دور المحاكم العسكرية الإسرائيلية في ازدهار الاحتلال

جوزيف دانا

منذ استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، عمدت البلاد إلى جعل الغموض يحيط بطبيعة إدارتها للأراضي الفلسطينية. ففي الأيام الأولى من الاحتلال، كانت إسرائيل مقسمة بفعل جدل داخلي حول ما إذا كان يجدر بها إعادة الأراضي المحتلة مقابل اتفاق سلام أو ضمها. وفي غياب إجماع صريح، قامت القيادة الإسرائيلية بإحداث مؤسسات احتلال عسكري ومنحتها مسميات غير عسكرية للتغطية على الكذبة التي أشاعتها بأن الاحتلال خطوة مؤقتة وذات طابع إنساني. فعلى سبيل المثال، يطلق على المؤسسة البيروقراطية الإسرائيلية الأبرز في الضفة الغربية اسم الإدارة المدنية، وهي هيئة لا تحمل من المدنية إلا الاسم. لكن هذه الحيلة اللغوية سمحت للبلاد بالتغطية ولو جزئياً على حكمها العسكري.

ويجسد نظام المحاكم العسكرية أوضح صور هذا التناقض. فبعد فترة وجيزة من بدء الاحتلال، أقامت إسرائيل نظام محاكم عسكرية لإدارة الساكنة المحلية. وعلى مر العقود، تم اعتقال الفلسطينيين المتهمين بجرائم متعلقة بالأمن، وبالمشاركة في احتجاجات غير قانونية، وغيرها من أشكال مقاومة الاحتلال، وتمت محاكمتهم في محاكم عسكرية.

هذا وتجري المحاكمات باللغة العبرية، وفي غياب مترجمين مؤهلين للترجمة إلى اللغة العربية. كما يتم الحصول على الأدلة والاعترافات عبر الاستجواب العنيف الذي يصل إلى التعذيب. وبما أن النيابة العامة والقضاة العسكريين يعملون سويةً بشكل وثيق، فإن معدلات الإدانة في هذه المحكمة تبلغ 99%. وتعتبر هذه المحاكم العسكرية أداة مهمة في ترسانة إسرائيل من أجل سحق مقاومة الفلسطينيين للاحتلال.

وتسلط قضية عهد التميمي التي اشتهرت مؤخراً الضوء على الطبيعة الدرامية والعبثية لنظام المحكمة العسكرية لكنها كذلك تثير أسئلة حول الكيفية التي يمكن بها لدولة واحدة إدارة نظامي قانون مختلفين اختلافاً جذرياً وتظل تعتبر دولة ديمقراطية. فقد تم اعتقال التميمي، وهي مراهقة فلسطينية من قرية النبي صالح بالضفة الغربية، في منتصف الليل من منزل أسرتها لتمثُل أمام قاض عسكري بتهم مهاجمة جندي وتنظيم احتجاجات واستعمال الانترنت للتحريض ضد إسرائيل. وقد رفض القاضي العسكري المكلف بقضية التميمي الطلبات المتكررة للكفالة بل إنه رفض طلبات محامي التميمي لعقد محاكمة علنية.

ونظراً لأن الظروف ليست في صالح الفلسطينيين، تشهد المحاكم العسكرية عدداً كبيراً من المساومات القضائية. وبالفعل قبلت التميمي مساومة قضائية ستقوم بموجبها بقضاء ثمانية أشهر في السجن بدل ثلاث سنوات حسب طلب النيابة العامة.

ما دخل أي من هذا بالمؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية؟ على سبيل المثال، يعتبر قيام قضاة عسكريين بالحكم على فتيات صغيرات السن بالسجن من أجل تهمة مقاومة غير عنيفة للاحتلال العسكري أمراً فريداً من نوعه في العالم الحديث، خاصة في مجتمع الدول الديمقراطية. وقد استثمرت إسرائيل موارد وفيرة لتصوير نفسها كديمقراطية مستنيرة في الشرق الأوسط. وكثيراً ما يستشهد داعمو إسرائيل بالنظام القضائي في البلاد بوصفه واحداً من أهم إنجازات إسرائيل، كما استُخدم رفض المحكمة العليا الإسرائيلية للعديد من القضايا المتعلقة بالاحتلال، بما فيها طريق جدار الفصل الإسرائيلي في الضفة الغربية، كدليل على احترام سيادة القانون. ولذلك، فإن مساومة قضائية سريعة في قضية التميمي التي ستؤدي لاختفاء الحادثة من عناوين الصحف الدولية تتماشى بشكل جيد مع مصالح إسرائيل على المدى البعيد.

إن ما تخشاه إسرائيل هو النقاش الواسع النطاق والصريح حول المعاملة التمييزية وغير المتكافئة للأشخاص الخاضعين لحكمها المبني على العرقية. إذ إنها السلطة الوحيدة التي تحكم المنطقة المتواجدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، حيث أقامت نظاماً قضائياً مزدوجاً تمارس فيه قوانين مختلفة تستند إلى العرقية، فاليهود الإسرائيليون يخضعون لنظام قضائي غربي، فيما يخضع فلسطينيو الضفة الغربية لنظام قضائي عسكري تُستمد فيه الأدلة بصورة دائمة عن طريق الإكراه والتعذيب.

ويمكن لتل أبيب حل هذه المشكلة من خلال توسيع نطاق اختصاص المحكمة المدنية لتشمل المناطق الفلسطينية التي تحتلها، بيد أن خطوة كهذه ستكون بمثابة ضم لهذه الأراضي، ما سيحد من قدرة الدولة على استعمال النظام القضائي لقمع المعارضة الفلسطينية. والحال أن هذا النظام القضائي الموازي يقوض الشرعية الديموقراطية التي بذلت إسرائيل الجهد الجهيد لجعل العالم يعترف بها. وعليه، فإن اللجوء للمحاكم العسكرية لمدة مطولة دون أجل محدد، يعري ادعاءات إسرائيل القائلة بأنها دولة ديمقراطية ذات سيادة. فكيف يمكن لأي شخص التوفيق بين هاذين النظامين القضائيين اللذان أقامتهما دولة واحدة؟

والحقيقة المرة هي أن إسرائيل لن تتخلى عن محاكمها العسكرية أو عن الاحتلال بصفة عامة، ما لم توضع عليها ضغوط خارجية ثقيلة. إن معظم الإسرائيليين لا يملكون أدنى فكرة عن كيفية عمل نظام المحاكم العسكرية أو عن مدى فقدان الفلسطينيين لحقوقهم عندما يعرضون على قاض عسكري. علاوة على ذلك، لقد كان نظام المحاكم فعالاً بالنسبة لهدف إسرائيل طويل الأمد المتمثل في قمع المعارضين الفلسطينيين. وفي الوقت الذي اندلعت فيه أعمال عنف ضد الحكم الاسرائيلي، تمكنت تل أبيب من ترسيخ وجودها في الضفة الغربية وتوسيع بنيتها التحتية الاستيطانية دون هوادة منذ سنة 1967. وكان للمحاكم يد خفية غير أنها حاسمة في صناعة هذا الواقع.

AFP PHOTO/THOMAS COEX