كيف تقوم إسرائيل بفرض احتلالها على الفلسطينيين

جوزيف دانا

إذا نظرنا إلى التعقيد الذي يتميز به الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإننا سنجد ان أسبابه واضحة للغاية. ويتضح هذا الأمر على وجه الخصوص إذا نظرنا إلى الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وسيطرتها على قطاع غزة لعدة عقود، وذلك لاعتبارات اقتصادية وأمنية. قد يشكل الارتباط الديني بالأرض نقطة حوار مناسبة لحصد المساعدات المالية لكلا الجانبين، لكنه ليس الدافع الرئيسي وراء المشروع الرسمي الأكبر في تاريخ إسرائيل.

وبينما يبدو العنف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين حدثًا عارضًا في ظاهره – كما هو الحال في عمليات التوغل التي يشنها الجيش الإسرائيلي في الوقت الراهن على البلدات الفلسطينية والهجمات الفلسطينية على المستوطنات الإسرائيلية – فهناك في حقيقة الأمر دائرة مستمرة من العنف والتي يلزم معها إبقاء السيطرة الإسرائيلية المطلقة على جميع المناطق الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

ولم يحدث على الإطلاق أن استمر نظام حكم يستمتع فيه البعض بالديمقراطية والحقوق المدنية والإنسانية كاملة بينما هناك آخرون يخضعون لحكم عسكري، وهناك تجارب على مدار التاريخ للعديد من الأنظمة التي حاولت تطبيق هذا النظام في الحكم. وفي ضوء سياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وصولاً إلى رودسيا ثم الحكم الفرنسي في الجزائر، تبين في نهاية المطاف أن وجود مثل تلك التجارب الاستعمارية الظالمة لم يكن ليدوم. وإذا فشلت إحدى التجارب الاستعمارية فسرعان ما تظهر تجربة أخرى.

وهذه حقيقية الوضع الإسرائيلي رغم ما يتعرض له نظام الحكم الإسرائيلي لانتقادات من جانب أنصار طرفي الصراع. وبينما يُطلق الكثيرون على إسرائيل اسم كيان استعماري استيطاني، مع الإشارة إلى أن منشأ الأيديولوجية التي قامت عليها إسرائيل هي أوروبا، وأن العديد من أوائل المستوطنين قدموا من أوروبا، نجد أنه لا يوجد لإسرائيل في الغرب ظهيرًا قد يدعي أن الشأن الإسرائيلي أمرًا هامًا بالنسبة له. وتتشابه إسرائيل مع الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من حيث أن الإسرائيليين لا ينحدرون من موطن واحد قد يستوعبهم جميعًا إذا ما فشل محكمهم الاستعماري. وبالتالي، فإن تسمية إسرائيل بالكيان الاستعماري الاستيطاني لا تبدو صحيحة في مجملها، ولكن بالنظر إلى طبيعة النظام الإسرائيلي وسلوكه مع أوائل التجارب الاستعمارية الاستيطانية نجد أن تلك التسمية تستقيم مع الحالة الإسرائيلية.

ولما كانت إسرائيل ترتبط بعلاقات وثيقة مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وحكومة “رودسيا” السابقة، كانت إسرائيل تراقب عن كثب تهاوي هؤلاء النظامين تحت وطأة طموحاتهما الاستعمارية. وكانت الهدف وراء سعي إسرائيل من تكوين السلطة الفلسطينية في أعقاب الانتفاضة الأولى وتوقيع اتفاقيات أوسلو هو ضمان عدم انهاء الاحتلال بذات الطريقة.

هذا وقد تعرض المخططون العسكريون والسياسيون الإسرائيليون لصدمة شديدة جراء الانتفاضة الأولى والتي اتسمت بكثرة عدد المشاركين العزل، لأنه من الصعوبة بمكان أن تهزم امرأة أو طفل أعزل أمام الرأي العام، ومن ثم، استعانت إسرائيل بعملية أوسلو للسلام لضمان عدم تجدد الانتفاضة مرة أخرى، وكانت السلطة الفلسطينية هي محور تنفيذ هذا الأمر.

قد تبدو فكرة أن السلطة الفلسطينية هي أداة في قبضة الاستعمار الإسرائيلي هي فكرة غير منطقية، غير أنها ليست بعيدة عن الحقيقة إذا ما نظرنا إلى الوجه الاستعماري. فعلى مدار التاريخ، استعانت الأنظمة الاستعمارية بأنظمة بديلة للتوسع في هذا النوع من الهيمنة وترسيخها. وما يفهمه رجل الشارع العادي هو أن إسرائيل قد استعانت بالنخبة الخاضعة للاستعمار واستعملتهم للإشراف على الشعب المحتل.

وابتداءً من ماو تسي تونغ وصولاً إلى الهند البريطانية، كانت القوى المهيمنة تفصل النخبة عن عامة الشعب لمنع أي تنسيق بينهما، ومن ثم تفكيك المكون الأساسي لنجاح أي تصرف جماعي. وفي ظل فصل النخبة عن عامة الشعب في الضفة الغربية من خلال تكوين السلطة الفلسطينية، نجحت إسرائيل في منع وجود أي تنسيق بين الفلسطينيين، ويزداد الانقسام بينهم يومًا بعد يوم بسبب انفصال الفلسطينيين جغرافيًا وطبقيًا وسياسياً، وبهذا تضمن إسرائيل أن الوحدة التي شهدتا الانتفاضة الأولى لن تتكرر مرة أخرى، فبدون التوحد ستكون مهام الاحتلال والرقابة أسهل ما يكون.

وكان الهدف من تكوين السلطة الفلسطينية هو أن تكون حكومة مؤقتة معنية بتهيئة الفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورغم ذلك، يراها عدد كبير من الفلسطينيين على أنها يد الاحتلال الإسرائيلي. وما يؤكد هذا الأمر، هو وصف الصحفية الإسرائيلية “عميرة هاس” لسلوك قوات الأمن الفلسطينية بأنه “لن تتهم القوات الإسرائيلية عندما يكون هناك قوات فلسطينية نظامية، العكس أيضًا صحيح، لن تلام الشرطة الفلسطينية عندما تغير القوات الإسرائيلية على الأحياء المجاورة وتقتحم متاجرها ومنازلها، وتصادر شرائط كاميرات المراقبة وتطلق النيران على الشباب الذي يلقون بالحجارة عليها”.

وتشير موجة العنف الأخيرة في الضفة الغربية إلى الوضع البائس للسلطة الفلسطينية. وفي ظل وجود حليفًا لها في البيت الأبيض، رسخت إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية من خلال إنشاء المستوطنات وتوفير البنية التحتية الأمنية. وفي الوقت ذاته، قطعت إدارة ترامب أو جمدت مساعدات حيوية للفلسطينيين تقدر بملايين الدولارات. وبهذا، يقوض ترامب فاعلية النخبة التي تعمل إسرائيل جاهدة لإنشائها (لأن أغلب المساعدات الموجهة إلى الفلسطينيين تنتهي في أي حال من الأحوال في يد النخبة من السلطة الفلسطينية)، ونتيجة لذلك، انتشر السخط والاستياء بين الفلسطينيين وتزايد التأييد الشعبي لحركة حماس، والتي يراها الكثيرون من الفلسطينيين على أنها تقاوم إسرائيل أكثر من تنفيذ أجندتها الخاصة.

وقد يستمر هذا الوضع الصعب لفترة ما في المستقبل، بيد أن أيام السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف تبقى أيام معدودة لأنه لم يعد مقبولاً للفلسطينيين أن تظل السلطة الفلسطينية قائمة ووضعهم المعيشي الحالي في ظل وجود الاحتلال العسكري. ورغم ذلك، كشف الفصل التالي من الصراع عن وجهه، ونثق في أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءًا من الصراع طالما أنها تشكل عقبة رئيسية في طريق السلام.

AFP PHOTO/ABBAS MOMANI