كيف للقارة الأفريقية أن تستفيد من إمكانياتها لتحقيق النمو؟ من الواجب عليها التطلع إلى دول الخليج

جوزيف دانا

يشكل إطلاق العنان للإمكانيات الاقتصادية في القارة الأفريقية تحديا الى الابد. ومنذ حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد أن بدأت القارة في التحرر من القيود الاستعمارية، كافحت العديد من الدول لتحقيق نمو اقتصادي قوي، غير أن ضعف البنية التحتية المعدومة، وفساد الساسة، وتوافر البيئة التي تشجعهم على هذا الفساد، والافتقار إلى التصنيع، كانت أكثر العوامل التي جعلت النمو الاقتصادي غير متكافئ في أحسن الأحوال، ومزري في أسوأها، ولهذا كان البحث عن حل لمعضلة “النمو” هو محور المؤتمر الذي سينعقد الشهر المقبل في “دبي” وتنظمه الشبكة القانونية الأفريقية. (وبالفعل، قد تجد القارة الأفريقية في دول الخليج حلا لمشاكلها، ولكني سأتطرق بالمزيد من التفصيل عن ذلك لاحقًا.)

ومع ظهور “الاستثمار الهادف” مؤخرًا، وتسعى الشركات من خلال هذا الاستثمار إلى جني الأرباح من خلال المشروعات التي تراعي المسئولية الاجتماعية، وقد كانت القارة الأفريقية هي المكان المستهدف للبدء في هذا النموذج الجديد من التنمية الاقتصادية. والفرضية واضحة: حيث تعرضت معظم الدول الأفريقية للتجاهل كمكان جاذب للاستثمار في الاقتصاد العالمي ويرجع ذلك التجاهل إلى عدم قدرة تلك الدول على الانخراط في السوق العالمي، غير أن الهواتف الذكية والاقتصاد الرقمي العالمي قد منح العديد من تلك الدول الأدوات اللازمة لها لجذب الاستثمار ومن ثم تستطيع تلك الدول تحويل مجتمعاتها إلى أسواق حيوية.

وأصبح الملايين من سكان القارة الأفريقية عملاء بارزين وذلك من خلال، على سبيل المثال، تداول الحسابات المالية عبر الهواتف المحمولة، والشركات الناشئة في مجال الرعاية الصحية. ويبقى الأمل في أن يعود هذا السوق الجديد الذي يتسم بالديناميكية بالنفع على جميع الدول المشاركة فيه. وبدءًا من الصين ووصولاً إلى وادي السيلكون، شهد تقديم الخدمات وتوفير السلع إلى تلك الأسواق الجديدة زحامًا محمومًا. ويبقى السؤال حول من هو المستفيد الفعلي من فكرة الاستثمار الهادف؟ وفي الواقع فإن ما تشهده القارة الأفريقية من ويلات اقتصادية يعود في معظمه إلى سعيها نحو مساعدة نفسها في الوقت الذي تنهب فيه الدول الخارجية موارد القارة. ولأن معظم الشركات الناشئة تعمل خارج القارة الأفريقية، فهل يستطيع هذا الاقتصاد الرقمي الجديد مجرد محاكاة النماذج التي يطالب بإيقافها؟ في حقيقة الأمر، يجب التشكيك في أي شيء يدعو نفسه بالـ”جديد” أو يمثل ضرورة أخلاقية للممارسات التجارية. ولا يمكن محو خمسة الاف عام من الخبرات الاقتصادية من حاملي الايباد.

وحتى مع ظهور الحسابات المالية التي يتم تداولها عبر الهواتف المحمولة والشركات الناشئة في مجال الرعاية الصحية، تغيرت في العقد الماضي أساسيات الاقتصاد في القارة الأفريقية بعض الشيء. ويعمل الاستثمار الهادف على جذب المستثمرين الأجانب إلى الأسواق الأفريقية لجني الأرباح والرحيل بها في نهاية المطاف خارج القارة الأفريقية. وبالتأكيد، ستجد القارة الأفريقية خدمات أفضل، غير أنها وبشكل أساسي لن تستطيع مساعدة نفسها.

ويتضح السبيل لعلاج الويلات الاقتصادية الأساسية التي تشهدها القارة الأفريقية، غير أن ما يدعو للسخرية أن التغلب على تلك الويلات الاقتصادية يشكل تحديًا للقارة الأفريقية. إذ تحتاج الدول الأفريقية إلى استثمار الروابط الاقتصادية بين القارات والتي تركز على إنشاء قاعدة قوية للتصنيع في القارة الأفريقية، ويمكن إنشاء تلك القاعدة من خلال إبرام الاتفاقيات التجارية على صعيد القارة الأفريقية، واختيار الشراكات مع المستثمرين الأجانب الذين يسعون لزيادة استثماراتهم بدلاً من النفوذ السياسي أو العسكري أو الثقافي.

ومع انطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية في مارس من هذا العام، فقد تم بهذا وضع حجر الأساس للسوق الموحد للبضائع والخدمات الأفريقية. وفي حالة إدارة تلك المنطقة الحرة بالشكل الصحيح، فستكون القارة الأفريقية قد خطت خطوة هامة نحو الاستفادة القصوى من قدرات التصنيع لديها، وهذا بدوره يؤدي إلى تحفيز النمو الاقتصادي والتصنيع وتوفير الوظائف. وفي حالة تشغيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية بكامل قوتها، فستكون القارة الأفريقية التكتل التجاري الأكبر في العالم من خلال “55” دولة تمثل أكثر من مليار نسمة وإجمالي ناتج محلي يبلغ “3,4” تريليون دولار أمريكي.

ومن الأهمية بمكان القول أن تلك الاتفاقية ستشجع الدول الأفريقية على التبادل التجاري فيما بينها، مما يسهل من إنشاء العديد من مشروعات البنية التحتية. ولطالما كان الهدف من إنشاء البنية التحتية ما بين الدول الأفريقية هو خدمة القوى الأجنبية وأهدافها لانتزاع موارد القارة.وتنفذ الصين العديد من المشروعات العملاقة في أنحاء القارة الأفريقية، غير أنها لم تضع بالضرورة احتياجات القارة الأفريقية في المقام الأول. وفي معظم الحالات، تساعد تلك المشروعات على تسهيل الروابط مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهو مشروع اقتصادي عالمي صممته الصين لتغير بوصلة التجارة العالمية تجاهها. وفي حالات أخرى، تكون مشروعات البنية التحتية مصدرًا من مصادر استدانة الدول الأفريقية ويمكن ملاحظة هذا الأمر في منطقة شرق أفريقيا غير الساحلية.

إن تسهيل التجارة بين الدول الأفريقية لإنشاء قاعد للتصنيع والصناعة داخل القارة الأفريقية يتطلب المساعدة من الدول الخارجية. وبالنظر إلى التدخل الخارجي الشنيع في الشئون الأفريقية، نجد أنه من الضرورة بمكان توفير النوع الصحيح من المساعدة. وفي ضوء الروابط الطبيعية بين دول القارة الأفريقية، نجد أن دول الخليج العربية هي الحليف الطبيعي للدول الأفريقية، والسبب في هذا أن دول الخليج توجه بالفعل استثمارات ضخمة إلى دول شمال أفريقيا كمصر، بالإضافة إلى أن الدول الخليج العربي لا تتطلع إلى إنشاء مستعمرة جديدة في أنحاء القارة، ولكنها تتطلع إلى عائدات على الاستثمار. ومن خلال إنشاء قطاع قوي للتصنيع في أفريقيا، وروابط قوية بين دول القارة من خلال البنية التحتية، واقتصاديات صاعدة، يمكن توليد العائدات الاستثمارية وبالتالي تدعيم توقعات النمو الاقتصادي طويل الأجل في القارة الأفريقية.

ولا شك في أن القارة الأفريقية ظلت لسنوات بعيدة عن اتفاقيات التجارة الحرة الحقيقية. وتشهد المفاوضات الحالية بخصوص منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية حالة من التوقف لأن هناك دول مثل “نيجيريا” ترفض شروط هذه الاتفاقية. غير أنه لا يمكن لتلك المفاوضات الشاقة أن تلقي بظلالها على حقيقة أن هذه الاتفاقية ستزيد بصورة مدهشة من قدرة القارة الأفريقية على المضي قدمًا نحو معدلات النمو العادلة.

وفي الوقت الذي تعمل فيه القوى العظمى على ترسيخ نفوذها في القارة الأفريقية، ويضخ المستثمرون أموالهم في مشروعات ومخططات من أجل حصد عائداتها في نهاية الأمر من القارة الأفريقية، أصبح من الأهمية بمكان تعزيز الصناعة المحلية. وبالنظر إلى الشركاء الجدد أمثال دول الخليج العربية، تستطيع القارة الأفريقية البدء في تحديد مصيرها بدلا من ان كانت مجرد قطعة شطرنج يحركها من هم على الساحة الدولية.

Photo by STR/AFP