دخول حزب الله قطاع محلات التجزئة يُسارع في تجزئة لبنان

فيصل اليافعي

AFP Photo: Anwar Amro

قوبل نبأ إعلان حزب الله رسميًا عن إطلاق سلسلة من فروع السوبر ماركت الخاصة به في لبنان بالترحيب الممزوج بالسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، وأظهرت الصور أرفف مليئة بما يبدو أنها بضائع إيرانية المنشأ، مما أسفر عن نقاشات هائلة وغالبًا ما تكون غاضبة على شبكة الإنترنت، ومبعث هذا الغضب هو تساؤل عما إذا كانت محال السوبر ماركت قد باتت مقتصرة على مؤيدي حزب الله.

ويعُد استمرار تلك الجماعة المسلحة في امتلاك محال السوبر ماركت جزءًا من استراتيجية أشمل ترمي إلى صنع اقتصاد موازي في الجنوب اللبناني، لكن تلك الخطوة تعُد أيضًا جزءًا من توجُه أشمل يسهم في تسريع انهيار الاقتصاد اللبناني: تراجُعًا عن الفكرة التي ازدهرت مؤقتًا والخاصة بالإجماع الوطني ومن ثم العودة إلى سُلطة الأحزاب السياسية المفردة.

والحكومة الوطنية لا تستطيع أن تبقي عينيها مفتوحة فيما يخص أيًا من البنوك، وقد دخلت الصيدليات في إضراب خلال شهر مارس، واضطرت بعض محطات الوقود ومحال السوبر ماركت إلى إغلاق أبوابها بسبب نقص الإمدادات، وحتى الجيش اللبناني الذي يعُد في الأساس أحد مؤسسات الدولة المحترمة البعيدة عن السياسة فقد بات يشعر بالضغط: وخلال الشهر الماضي فقط أقدم قائد الجيش على خطوة غير معتادة حيث قام بانتقادات علنية، وحذّر من أن الجيش بات “يشعر بالجوع شأنه شأن باقي أفراد الشعب”، وهذا يعني أن أعمدة الدولة قد بدأت تضعف.

وقد كان هناك بعض الدعم القومي – فقد تمت في شهر مارس الموافقة على الحصول على قرض صغير من البنك الدولي حيث يستفيد منه بعض الفقراء على مستوى البلاد، لكن المطلوب أكبر من مجرد تلك الخطوات: وقد أشار أحد السياسيين إلى أن ثلاثة أرباع الشعب اللبناني باتوا في حاجة للدعم المالي، ومن أجل سد تلك الفجوة تدخلت الجماعات السياسية والجماعات الخاصة في الأمر؛ وذلك للتحقُق من أن مؤيديها على أقل تقدير قد وجدوا من يعتني بهم، وعلاوة على بطاقات حماية الضمان الاجتماعي التي يقوم حزب الله بتوزيعها؛ فقد بادرت الحركة الوطنية الحرة المسيحية لجمع التبرعات لمساعدة أعضائها؛ وذلك على الرغم من أنها تتولى تشكيل الحكومة التي من المفترض أنها ستبدأ في دعم غالبية الشعب اللبناني.

وعملية تحويل الانتباه من الشأن القومي إلى الشأن المحلي تأتي في وقت تحاول فيه الدولة تشكيل حكومة تكنوقراط، ويأتي ذلك استجابة وتذكيرًا بالاحتجاجات التي شهدها الشارع اللبناني قبل انتشار جائحة كورونا (كوفيد-19)؛ والتي كانت تطالب بوضح حد للتمزق الطائفي.

وربما أدّت الأزمة الاقتصادية اللبنانية وانتشار الجائحة إلى ظروف قاسية، لكن الطبقة السياسية انتفعت من تلك الظروف، ولم يكن حزب الله هو الطرف الوحيد الذي وجد الفرصة من خلال تلك الأزمة، والواقع أن حجم تلك الأزمة أعطى للأحزاب السياسية متنفسًا – من وجهة نظر تلك الأحزاب – ضد التهديد الأكبر وهو احتجاجات الشارع والضغط الدولي، وهي العوامل التي تعمل على تهديد الامتيازات التي تمتلكها تلك الأحزاب.

وعلى مدار العديد من السنوات نجحت الاحتجاجات الشعبية في الإطاحة بحكومتين، حيث أجبرت سعد الحريري على الاستقالة في أواخر العام 2019، ثم أطاحت بحكومة حسان دياب في شهر أغسطس 2020، وتلك الاحتجاجات مستمرة حتى يومنا هذا على الرغم من الضعف الذي شهدته بسبب القيود الاحترازية لمكافحة الجائحة.

وعلى المستوى الدولي فقد عملت فرنسا على قيادة حملة الضغط، حيث عمدت منذ انفجار مرفأ بيروت في أغسطس إلى قيادة جهود تشكيل حكومة جديدة، وتدعم فرنسا سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق – ورئيس الوزراء المكلف حاليًا – وذلك إذا ما نجح في تشكيل الحكومة خلال محاولاته لتكوين إدارة تعتمد على التكنوقراط، وهناك أمل في تلك الحكومة أن تحصل على ثقة هؤلاء الذين يقفون وراء احتجاجات الشارع، والأهم هو نجاح تلك الحكومة المزمعة في الإفراج عن المساعدات الدولية للبنان.

لكن بالطبع فإن حكومة التكنوقراط تلك ستعمل على إضعاف قاعدة نفوذ الأحزاب السياسية المفردة، وهذا هو ما دفع بالحركة الوطنية الحرة إلى معارضة فكرة حكومة التكنوقراط إذا لم تكن هناك إجراءات تؤدي إلى الحفاظ على الامتيازات التي تمتلكها الحركة.

وقد عبّرت فرنسا عن غضبها الشديد بسبب الفشل في تشكيل حكومة لبنانية؛ مما جعل هناك إمكانية لفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين؛ ربما المقصود منها جبران باسيل صهر الرئيس اللبناني وزعيم الحركة الوطنية الحرة، وكان قرار فرض عقوبات على باسيل هو أحد آخر القرارات التي أقدمت عليها إدارة ترمب.

ولسوء الحظ فإن عملية الخداع والتضليل تلك باتت في صميم السياسة اللبنانية، وعلى وجه الدقة فإن تلك الألاعيب المستمرة والمداهنة والسياسات الخفية هي من دفعت اللبنانيين للقيام باحتجاجات، لكن وبشكل قاطع فإن طول أمد الأزمة سيؤدي إلى القضاء على الأمل في حدوث تغيير حقيقي للنظام الطائفي.

وعلى مدار فترة من الزمن في أعقاب انفجار مرفأ بيروت الصيف الماضي كانت هناك قوة دافعة للبحث عن شئ جديد، لكن التدخُل الفرنسي – وبغضّ النظر عن الانتقادات التي وجهت لفرنسا باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة التي تخوض في السياسة الداخلية اللبنانية – هو من دفع بالأحزاب السياسية إلى الانتباه لخطورة الأمر، لكن كالمعتاد فإن التأجيل أدّى إلى القضاء على قوة الدفع تلك، وطالما استمرت تلك الأزمة فإن الأحزاب السياسية ستعمل على تقديم الدعم لمؤيديها وليس لجموع الشعب اللبناني، مما سيؤدي بدوره إلى القضاء على حالة الإجماع الوطني في لبنان.

وفي نهاية الأمر سيعود العمل كما كان وهو الأمر المعتاد، سواء جاء ذلك بسبب زيادة الضغوط التي تدفع الإنسان إلى حب البقاء أو بسبب شعور المجتمع الدولي بالإنهاك وانصرافه عن لبنان، وأيًا كان الأمر فإن الرابح سيكون الأحزاب السياسية المستفيدة من الوضع الراهن، والواقع أن تقاعُس تلك الأحزاب هو ما يجعل الشعب اللبناني بمثابة رهينة.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.