هل فقدت مأكولات الشرق الأوسط التقليدية منظرها الشهي بسبب الوجبات السريعة؟

ريم تينا غزال

Image courtesy of AFP

يعد الطعام والطهي من العناصر التي ترسخت بعمق في ثقافة وتاريخ الشرق الأوسط لدرجة أن بعض الوصفات ظلت قائمة لعدة قرون. وصارت شكل من اشكال الفن. ولكن اتسم الطعام في المنطقة مؤخرا، بصفات عدم التوفر وإمكانية التتبع والتكاليف والمكونات وأحدث الاتجاهات، مثله مثل أجزاء كثيرة من العالم.

فهل أضاع الطبخ مكانته في حياتنا؟ أصبح هذا السؤال بالغ الأهمية في جميع أنحاء المنطقة حيث كان للطهي مكانته العالية في الزمان الغابر، وكان مصدر إلهام للشعراء والمغنين، والآن تُنفر الوجبات السريعة الناس من ميراث الطبخ المنزلي، بفضل سعرها المنافس مع عنصر التوصيل إلى المنزل.

وتتجسد علاقة حب العالم العربي بالأطباق التقليدية المطبوخة جيدًا في بعض القصائد، مثل تلك التي كتبها الأمير العباسي في القرن التاسع إبراهيم بن المهدي، وهو الأخ غير الشقيق للخليفة هارون الرشيد، الذي خُلد في حكايات ألف ليلة وليلة.

قال المهدي المعروف باسم أمير الأبيقور في قصيدته “فرحانة تغمر قلب الجائع بالفرح، لأنها تخرج في وعاء مثل البدر في أحلك الليالي” و”فرحانة” تعني “السعيدة” لأنها تجلب الفرح لمن يأكلها، وتشير كلمة فرحانة إلى طبق من اللحم والخضروات يشبه طبق خزفي من القرون الوسطى  يُعرف باسم مغومة، وهو واحد من 600 طبق ظهرت في كتاب الطبخ لـ “ابن سيار الوراق” في القرن العاشر ، “كتاب الطبيخ”، ويعد هذا الكتاب من أقدم وأشمل كتب الطبخ العربية في العالم، حيث جمع الكاتب تفاصيل الأطباق التي قدمت في البلاط الملكي في بغداد.

ويتضمن كتاب طبخ الوراق وصفات لـ “السمبوسة” وهي وجبة رمضانية مثلثة الشكل، كانت تُعرف آنذاك باسم “السنبوسة”، كما كانت تعتبر ملكة الوجبات الخفيفة في العصور الوسطى. وتتكون الوصفة من بيت شعري يصف ببلاغة تحضير ذلك “المأكل المعجل” اللذيذ (المترجم حرفيًا إلى الوجبات السريعة). وقد نجا ذلك الطبق التقليدي، مع أطباق أخرى، من اختبار الزمن مع وجود منافسة من أطباق من ثقافات متعددة أخرى، ولا يزال يتم تقديمه على موائد الطعام العربية والإسلامية في جميع أنحاء العالم.

ويُعتقد أن فن المطبخ بدأ في العراق، أو ما كان يُعرف آنذاك ببلاد ما بين النهرين، وتم كتابة أقدم مخطوط حول الطبخ في العالم حوالي 1700 قبل الميلاد في الكتابة المسمارية، وهو نظام للكتابة على ألواح طينية مستخدمة في الشرق الأوسط القديم، وتوجد الالواح في المجموعة البابلية بجامعة ييل. وفي حين أن بعض المكونات الموجودة في 35 طبقًا لا تزال غير معروفة، إلا إنها تضمنت الحساء، مع مزيج من اللحوم أو الخضار أو الحبوب المطبوخة في الماء.

وهناك كتاب طبخ آخر من المنطقة، وهو أفضل المأكولات والأطباق اللذيذة من الأندلس والمغرب، وتمت ترجمة نص الباحث الأندلسي ابن رزين التجيبي ونشره بدقة في العام الماضي، حيث يعرض 475 وصفة رائعة من المطبخ الفريد في إسبانيا المغربية.

وقد يأمل المرء أن تظل الأطباق العربية التقليدية عنصرًا أساسيًا في المنازل في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بسبب ذلك الإرث الغني، ولكن أصبحت بعض الأطباق الغربية أكثر انتشارًا، حيث فرضت أنواع مختلفة من البرجر والبيتزا نفسها على طاولات الطعام في السنوات الأخيرة، وتم إقصاء المأكولات العربية التقليدية وأصبحت تقدم كطبق جانبي “كتذكار”، وصارت تؤكل في المناسبات الخاصة مثل احتفالات العيد والإفطار خلال شهر رمضان، وفي الزيارة العرضية من الأقارب والأصهار، حيث توجد الحاجة لإظهار فهم أكثر لثقافة الطهي.

وهناك وفرة من كتب الطبخ المنتشرة التي تركز على كل من المأكولات العربية والمأكولات من الدول الأخرى، ولا تهدف إلى المساعدة في الحفاظ على أطباق معينة فقط، بل تعمل أيضًا دور المقارنة المعيارية للطعام التقليدي في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، فقد تطور الهدف من كتاب الطبخ التقليدي، فبالنسبة إلى ربة المنزل، تعمل تلك الكتب كتذكير بصرية لعصر مضى، وبالنسبة للمستهلك، أصبح اختيار الطهي عرضًا آخر قائمًا على الصور ويعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي لإظهار ما لذ وطاب من أصناف الطعام.

ويعني ذلك النهج أن المنازل الجديدة ستحذف غرفة الطعام التقليدية سعيا وراء عناصر الراحة الحديثة، وسيحل محلها غرفة الصالة الكبيرة حيث يمكن فيها تناول الطعام، وبدأت تلك الأوقات التي كانت تقضيها الأسر في تناول الغداء على طاولة الطعام في الانحسار أمام منظر أفراد الأسرة وهم منشغلون في مشاهدة التلفاز أو التحديق في الهواتف.

وتم استغلال هذا الوضع من قبل مجموعة متزايدة من تطبيقات توصيل الطعام، والتي تتحدى الصورة المثالية لوجبة مطبوخة في المنزل.

ووفقًا للبيانات التي جمعتها ساتستيا، فمن المتوقع أن يتجاوز النمو في سوق توصيل الطعام عبر الإنترنت 5.3 مليون مستخدم في الإمارات العربية المتحدة و18.8 مليون مستخدم في المملكة العربية السعودية بحلول عام 2027، وفي الوقت نفسه، أصبحت شريحة من المجتمع واعية بأهمية الطعام الصحي كما ارتفع الطلب على خيارات غذائية صحية بشكل كبير.

ويعني الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، لا سيما في أجزاء من الشرق الأوسط حيث يأتي الجزء الأكبر من إمدادات الحبوب من أوكرانيا أو روسيا، أن الوجبات السريعة أصبحت بشكل متزايد بديلاً أرخص عن الطهي في المنزل.

ولكن بقدر ما قد تكون صدمات السوق العالمية ضارة بالطهي التقليدي، فإنها يمكن أن تغير أيضًا عادات المستهلكين وتفضيلاتهم للأفضل، حيث أدى ظهور جائحة كورونا إلى ارتفاع كبير في عدد الذين يطبخون في المنزل، وكان لذلك نتائج متنوعة.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت تلك التحديات تؤكد من جديد أهمية كتاب الطبخ التقليدي في المنزل الحديث كبداية للوجبة المطبوخة في المنزل، أو إذا كانت الراحة، وعدم الانضباط وعادات الأكل المشكوك فيها قد أزالت هذه الدعامة الأسرية الأساسية بشكل دائم.

ربما يتطلب الأمر شيء من الإبداع والشعر لإلهام فن الطبخ، ولإعادة ظهور الوجبة المطبوخة في المنزل، وذلك الإبداع والشعر موجودان في كتاب “الأطباق التقليدية القديمة” لكاتبه ” الوراق”.

 

ريم تينا غزال هي رئيسة تحرير مجلة حول الفنون والثقافة، ومراسلة سابقة في إحدى مناطق الحروب.