هل ثمة توافق بين أعمال المستشرقين الفنية عن الشرق الأوسط والشريعة؟

Melissa Gronlund

AFP Photo: Mike Field

في فناء مزين بأعمدة من البلاط الزاهية، تجلس النساء على سجادة داكنة اللون، ويحيط بهن رجلان من الحراس عليهما قطعة من القماش. وتستقبل فساتينهن القصيرة بطريقة مغرية وجهة الناظر إلى اللوحة، ومن ورائهن، نساءٌ عاريات في حوض سباحة ويخضلن بعضهن بالماء، وأخرى تعبر الدرابزين بساقيها العارية، وملابسها معلقة على جانب الدرابزين. والمشهد هو مادة من الخيال الذكوري – وهو بالطبع كذلك. وتمثل “شرفة حريم السلطان”، والتي رسمها المستشرق الفرنسي البارز، “جان ليون جيروم” في عام 1898، واحدة من عدة صور للحريم، القسم المخصص للنساء فقط في القصور العثمانية، والتي استحوذت على خيال الرسامين الأوروبيين، الذين، رغم أنهم لم يتمكنوا أبدًا من دخول تلك القصور، استخدموا الفرشاة للنقش حتى يروجوا لتلك الغرف المعيشية على أنها أماكن مخصصة للجنس.

في عصر هاشتاج #أنا أيضًا، والتفكير العالمي الأكثر وعياً، يبدو أن الوقت حان لإنهاء الاستشراق. بدا العرب كسولين كارهين للعمل، والنساء يمارسن الجنس بشكل روتيني، وإذا لم تجدهن نصف عاريات في قاعة الحريم، أو كفلاحات كادحات، ستجدهن يحملن أباريق ماء فوق رؤوسهن، والخصر يميل جانبًا. وبعد تجميع تلك الأعمال الفنية بسبب الاهتمام الأوروبي بالشرق الأوسط والذي يرجع تاريخه تقريبًا إلى غزو نابليون لمصر في عام 1798، تجاهل معظم الرجال، ومعظمهم من الفنانين الأوروبيين الدقة التاريخية للموضوع الذي يتناولونه عن الشرق الأوسط. لم يزر الكثيرون المنطقة قط، وبذل آخرون جهودًا كبيرة لرسم تلك اللوحات في استوديوهاتهم في باريس مسترشدين بالذكريات والرسم والقطع الأثرية التي أحضروها إلى بلادهم.

ومن الناحية الفكرية، فإن هذا النوع من الفنون، العامر بالأدب واللوحات الفنية، لم يدم طويلاً. وفي الواقع، ثمة اعتقاد بأن عهد الاستشراق قد ولى، حيث تفوق “إدوارد سعيد” بنقده العظيم للأساس الإمبريالي والاستعماري للأعمال الاستشراقية، التي دونت في العام 1978، على المواضيع الفنية التاريخية والأدبية ذات الأهمية الثقافية الخاصة بالمستشرقين.

ولكن على مدى السنوات الخمس عشرة “15” الماضية، ارتفعت شعبية اللوحات نفسها، وأقبل على شراؤها جامعو اللوحات الفنية من الإسلاميين والعرب، وهناك لوحات معلقة في المؤسسات بدءًا من المتحف البريطاني وصولاً إلى متحف اللوفر أبو ظبي. وبالنسبة إلى جامعي اللوحات الفنية، فإن الاستشراق ليس عملاً فنيًا استعماريًا رديئًا، ولكنه احتفال بالعالم الشرق أوسطي قبل عصر الحداثة والتغريب. إن الطقوس المعقدة دخل القصور العثمانية، والحراس المزينين بأبهى الملابس، والرجال المصطفون بوقار استعدادًا للصلاة، وكل ما هو مرسوم بطبيعة فائقة، وبأدق التفاصيل، كلها أعمال تمثل إضافة كبيرة إلى السجل البصري للعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر.

ولمجرد أن أعمال الاستشراق يتم جمعها، فهذا لا يعني طبعًا أنه يجب إعادة تأهيلها. غير أن إلغاء ثقافة الاستشراق، رغم العاطفة الجياشة وحسن النية، يعد أيضا حقيقة رجعية وضيقة الأفق. تكمن الرسالة الضمنية لإحياء المستشرقين في تراجع الغرب، وانتقال السلطة والمال إلى لاعبين جدد على الساحة الاقتصادية – وهي قوى تسيطر على نفوذ الأكاديميين ومنصة التواصل “تويتر”.

وكان العرب من دول الخليج أبرز من يشترون الأعمال الفنية الاستشراقية، منذ أن بدأت دار المزادات الفنية “كريستيز” و”سوذبيز” و”بونهامز” عرض مبيعاتها في الدوحة ودبي في منتصف العقد الأول من القرن العشرين، وأصبحت أعمال الاستشراق مطلبًا للمؤسسات التي ترغب في تحقيق طفرة على مستوى المتاحف في دول الخليج. ولأن هذه المتاحف تضع خطًا فاصلاً لأشكال الفن الغربي وطرق عرضه، من ناحية، وتاريخ الفن المحلي ومصطلحاته، من ناحية أخرى، فإن اللوحات الاستشراقية تقدم مثالًا نادرًا على نقطة الالتقاء الثقافي البصري.

ويعد متحف المستشرقين في قطر أحد أكبر المتاحف التي تضم مجموعات العمل الاستشراقي، غير أنه لم يفتح أبوابه للجمهور بعد. وهناك أيضًا متحف اللوفر أبو ظبي. وأصبحت لوحة “شاب علماني يقرأ”، للفنان التركي “عثمان حمدي بك” (أحد القلة المستشرقين غير الأوروبيين) من الأعمال الفنية التي يشتهر بها المتحف، وتم نشر تلك اللوحة على تذاكر المتاحف والمواد التسويقية.

وفي كوالالمبور، شيد “سيد محمد البخاري” مجموعة كبيرة من الأعمال الاستشراقية بصفته مديراً لمتحف الفنون الإسلامية في ماليزيا. وأقرض المتحف أبرز أعماله إلى المتحف البريطاني تمهيدًا لعرضها في معرضه الحالي حول الاستشراق، بعنوان، “إلهام الشرق: كيف أثر العالم الإسلامي على الفن الغربي”، والذي ربط بين لوحات المستشرقين في متحف الفن الإسلامي بماليزيا، والأشياء المادية في مجموعته الخاصة – وهو انعكاس (كاشف) وأنيق، حيث أن القطع الأثرية في المتحف البريطاني جاءت أصلاً من العالم الإسلامي، وجاءت اللوحات من أوروبا. ومن المثير للاهتمام معرفة من هم المقرضون والمانحون في الوقت الراهن: فسيد محمد البخاري هو أيضًا شقيق الإنسان الخير “سيد مختار البخاري”، والذي تكفل بتجديد معارض الفنون الإسلامية في المتحف البريطاني.

وهناك خطر من أن يتحول الاستشراق إلى مكان لتبادل ثقافي حقيقي، فهو لم يكن كذلك. وعلى الرغم من أن بعض الرسامين قضوا فترة من عمرهم في الشرق الأوسط، ووطد بعضهم علاقات قوية مع سكان تلك المنطقة، فإن الاستشراق يعتبر أكثر إنتاجية إذا ما اعتبرناه جزءَا من تاريخ التجارة السياحية العالمية، ومحرك للتبادل الثقافي غير المتوازن، وأحد الأشياء التي تؤسس للتبعيات الاقتصادية التي لا تزال قائمة في أماكن مثل المغرب.

إن إعادة تأهيل هذا النوع من الفنون من خلال السوق سيجعلها تقضي بنفسها وبفعل العوامل غير المرئية على بعض من عناصر الاستشراق الصارخة. فقدت لوحات الحريم شعبيتها بين المشترين (على الأقل وفقًا للبيانات المتاحة للجمهور): حيث أدى بيع جزء من مجموعة “نجد” الشهيرة مؤخرًا، وهي مجموعة بارزة من الأعمال الفنية في المملكة العربية السعودية، في مزاد “سوذبيز”، إلى الإحجام عن شراء لوحات الحريم. ويضطر المتحف البريطاني آسفًا، عند تصنيفه لأبرز الأعمال المتعلقة بالاستشراق، إلى إبعاد أعمال الحريم جانبًا.

وبدلاً من قبول الأعمال الاستشراقية أو رفضها، أصبح تقبل الاستشراق يأخذ منحنًا جديدًا. وبدءًا من القلاع الاسكتلندية إلى تقاليد عيد الميلاد الألمانية، أدمجت العديد من المجتمعات زخارف القرن التاسع عشر في العادات المستمرة الآن. ويضيف الاستشراق نفسه إلى تلك القائمة العالمية.

 

ميليسا جرونلند، كاتبة في الفن، وتقيم ما بين أبو ظبي ولندن. تنشر “ميليسا” كتاباتها في مجلة “Artforum” و” L’Hebdod’Art” وBOMB وe-flux journal وThe New Yorker، وغيرها من المنشورات. وبين عام 2007 إلى عام 2014، حاضرت “ميليسا” حول الفن المعاصر في مدرسة “روسكين” للرسم والفنون الجميلة بجامعة أكسفورد.