مواكبة دول الخليج للثورة في عالم الروبوتية والذكاء الاصطناعي أساسية

جوزيف دانا

في شهر يناير من كل سنة، يجتمع رواد صناعة التكنولوجيا العالميين في لاس فيغاس للكشف عن أحدث الابتكارات في معرض الالكترونيات الاستهلاكية. ونظراً للاهتمام المتزايد بالدور الذي قد تلعبه الروبوتات في القوى العاملة فاحتلت الابتكارات في مجال الروبوتية والذكاء الاصطناعي مكان الصدارة في معرض هذا العام. وعلى الرغم من التقدم الواضح الذي تم احرازه، فلم تظهر ملامح قوة عاملة روبوتية وشيكة تستعد لاجتياح سوق العمل وسلب ملايين الوظائف (كما قد يخشى البعض) ليبدأ عصر جديد من الإنتاجية (كما قد يأمل آخرون).

وقد يبدو غريباً أن الأمر كان بمثابة خيبة أمل لدول الخليج التي تتوق إلى تشكيل قوة عاملة روبوتية. فلطالما كان القطاع العام يحوي على وفرة من القوى العاملة المواطنة فضلاً عن أعداد كبيرة من الموظفين الأجانب في بلدان مثل البحرين وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. ومنذ اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في الخمسينيات من القرن الماضي، أنشأت دول الخليج عقداً اجتماعياً فريداً يتم فيه تقاسم الثروة الهيدروكربونية مع المواطنين من خلال شبكة حكومية واسعة تضمن سلامة الاجتماعية وتوفر للمواطنين وظائف آمنة في القطاع العام. وفيما يشغل معظم المواطنون وظائف القطاع العام، تستورد دول الخليج العمالة من جميع أنحاء العالم لتغطية احتياجات باقي المجالات الاقتصادية، من الضيافة إلى البناء. ويفقد الاقتصاد من توازنه بسبب هذه الأفضلية للخدمة المدنية، أما دول الخليج التي توصلت إلى تطوير قطاع خاص يوازي القطاع العام أهميةً فهي قليلة، على الرغم من الجهود الجبارة المبذولة.

وفي سبيل إعادة التوازن إلى هذا المزيج، هل ممكن أن يعود تقليص في العمالة الأجنبية بالفائدة على دول الخليج؟ وهل هي حقاً بحاجة إلى هذا الكمّ الهائل من القوى العاملة الوافدة من الذي تستضيفه حالياً؟ وبعد سنوات من انخفاض أسعار النفط، بدأت عدة بلدان تنويع إنتاجها الاقتصادي مع التركيز على ما يسمى باقتصاد المعرفة. من الآن فصاعداً ستكون الروبوتية مصب الاهتمام هذه النقلة.

أي مستقبل مستدام للروبوتية تتطلب الذكاء الاصطناعي المتقدم (AI)، والذي بدوره يعتمد على كميات وافرة من البيانات. وهذا سبب من أسباب صدارة الصين العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي حيث تمتلك القدرة على جمع البيانات من 1.3 مليار مواطن. وعلى الرغم من أن دول الخليج لا تشمل هذا العدد من السكان إلا أنها تتمتع بالسيطرة الكاملة على البيانات.

وقد أشار العديد من الكتاب والمعلقين، وأبرزهم الاقتصادي الاسكتلندي مارك بليث والكاتب التكنولوجي مينول خان إلى أن القوى العامللة الروبوتية لا تشكل تهديداً وقد ساهم الابتكار في تغيير قوة العمل منذ أن بدأ الناس بالعمل فكما غيّرت التكنولوجيا العمل خلال الثورة الصناعية، ستغيّر الروبوتات طريقة عملنا اليوم. وأشار بليث أن الوظائف قد أصبحت أكثر سهولة كما اضمحل بعضها من الوجود غير أن العمل بحد ذاته فلا زال موجوداً. وأشار بليث إلى أن الاقتصاد يشهد فورة توظيف جديدة حيث تركز الشركات على مجالات جديدة للإنتاجية بمجرد أن تأخذ الروبوتات الوظائف الصغرى.

وفي المستقبل الذي يمكن فيه للروبوتات قيادة سيارات الأجرة أو بناء ناطحات السحاب، ستتمكن دول الخليج من تحويل الموارد بعيداً عن إدارة ملايين العمال الأجانب للتركيز على إنشاء مدخلات للمعرفة في الناتج المحلي الإجمالي. ويتم بذلك تعديل عملية التوظيف للتركيز على استيراد أفضل المواهب التقنية من جميع أنحاء العالم.

ومن الأمور الحاسمة في هذا السيناريو، أن تكون لدى دول الخليج القدرة على تكييف التشريعات – وخاصة القديمة منها – أو تعديلها أو إلغاءها وبسرعة فائقة. وهنا تبرز هذه الدول كونها مثالية لاختبار القوى العاملة الروبوتية. وكانت هناك محاولات فعلية لتطوير ضباط الشرطة الروبوتية في دبي، غير أنها اعتبرت ابتكاراً مثير للإعجاب بدلاً من نهج مبتكر لإنفاذ القانون. وأصبحت المملكة العربية السعودية ضمن مؤتمر مبادرة الاستثمار المستقبلي أول دولة في العالم تمنح الجنسية لروبوت. وفي حين اعتبر الجمهور ذلك حيلة علاقات عامة، راحت الروبوت والمعروفة باسم صوفيا تطالب بلطف بمزيد من الحقوق للمرأة في المملكة.

في نهاية المطاف فالروبوتية المشتركة جزء من مستقبلنا ولا محال منها إنما ليست موضع التشاؤم الذي واكب بداية الثورة الصناعية. وقد أخذ تاريخ العمل مجراه وفتيسّر عندما سهّلت الابتكارات الجديدة بعض الوظائف، أو متى زالت الحاجة لغيرها، فنشأت قطاعات اقتصادية جديدة كلياً. وإن استثمرت دول الخليج بالمجالات المناسبة فيمكنها أن تكون في طليعة التطوير في مجال الروبوتية، نظراً لعدد سكانها الضئيل ونظم قانونية ذكية فضلاً عن وفرة من الموارد. أما بعد، لديها حوافز واضحة لقيادة العالم إلى مستقبل الروبوتية، نظراً لاعتمادها المفرط على عائدات الهيدروكربون، والحاجة إلى تنويع اقتصاداتها وتنشيط نمو الوظائف. ومن الممكن أن يتم استبدال العمالة الأجنبية بالروبوتات قريباً في خليج جديد يتحلّى بالشجاعة.

يعمل جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو رئيس تحرير إيميرج 85، وهو مختبر يستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.

AFP PHOTO