الخدعة الكبرى: السفر الجوي صديق البيئة

جوناثان جرونال

AFP Photo: Alain Jocard

بناء على البيان الذي أصدرته شركة بوينج في شهر فبراير؛ وأعلنت فيه أنها تلقّت طلبات للسفر أكثر من طلبات الإلغاء لأول مرة منذ 15 شهرًا يمكن لنا القول إن حركة الطيران قد عادت لسابق عهدها، وهذا يعُد خبرًا جيدًا بالنسبة للقائمين على حركة الطيران والخطوط الجوية وشركائهم وموظفيهم، وبعد مرور أكثر من عام على الكساد الذي نتج عن انتشار جائحة كورونا (كوفيد-19)؛ فإن تلك الخطوة تعُد مؤشرًا إيجابيًا يدل على تعافي الاقتصاد الدولي، وهو الخبر الذي سيُقابل بارتياح على مستوى العالم، خاصة بالنسبة للدول التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على حركة السفر الجوي، وعلى أي حال؛ فبالنسبة للبعض منا المهتم بمسألة التغير المناخي وهو الأمر الذي يجب أن يهتم به الجميع؛ فإن تلك الأنباء تدق ناقوس الخطر.

والواقع أن جائحة كورونا وفّرت لكوكب الأرض فرصة كي يتنفس، وعلى مدار العام الماضي فإن انخفاض النشاط الاقتصادي أدّى بالتبعية إلى انخفاض هائل في كمية غازات الاحتباس الحراري التي يتم إطلاقها إلى الغلاف الجوي، وكما أشار بيان شركة بوينج فإن فترة الهدنة تلك قد انتهت.

والأمر ينطبق على جميع الأنشطة الاقتصادية على مستوى العالم، حيث سيحاول القائمون على تلك الأنشطة تعويض ما خسروه على مدار الأشهُر الماضية، لذا سنعود سريعًا للحالة التي كنا عليها في أواخر العام 2019، حينما حذّر القائمين على شؤون البيئة من أننا سنفشل بصورة هائلة في تحقيق الهدف الذي تم الإعلان عنه في اتفاقية باريس للمناخ والخاص بالتغير المناخي، والمتمثل في تقليل درجة حرارة الأرض “بنسبة لا تقل عن 2 درجة مئوية”.

وقد كان الأمر بمثابة مؤشر خطير للغاية ظهر في يناير؛ حيث أخفقت غالبية الدول في الوفاء بالموعد النهائي لتحقيق الأهداف الجديدة الطموحة الخاصة بخفض انبعاثات الكربون، لكن مهما كانت الأهداف التي وُضِعت فإن العودة إلى الأنشطة “الطبيعية” الخاصة بالسفر الجوي – ناهيك عن الزيادة الهائلة المتوقعة بالنسبة للأنشطة الاقتصادية – تهدد بتقويض جهود خفض الانبعاثات التي تساعد على التغير المناخي.

وتشير تقديرات القائمين على الطيران إلى أن حركة السفر الجوي ستزيد بنسبة 4.3% سنويًا على مدار الأعوام العشرين القادمة، وقبل ظهور جائحة كورونا كانت هناك أكثر من 100 ألف رحلة تجارية يوميًا، وكما تشير توقعات منظمة الطيران المدني الدولي فإنه بحلول منتصف 2030 ستكون هناك مائتي ألف رحلة تجارية يوميًا.

ويحاول القائمون على مجال السفر الجوي التخفيف من وطأة الأمر، فهم يقدمون تطمينات إلينا، وأنهم يخططون لاستخدام وقود الطائرات المستدام، وذلك عبر تصميم محركات أكثر كفاءة واتباع أساليب جديدة صديقة للبيئة فيما يخص الطيران وجداول الرحلات.

والواقع أن وقود الطائرات المستدام – والذي يتم إنتاجه عبر المزج بنسبة تتخطى 50-50 بين المخلفات مثل زيت الطعام المُستخدم والدهون الحيوانية وبين وقود الطائرات التقليدي – لن يتعارض مع التخطيط لزيادة نمو حركة السفر الجوي، ويقول القائمون على الصناعة إن استخدام وقود الطائرات المستدام من الممكن أن يؤدي إلى خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تتخطّى 80%، لكن في ذات الوقت فإن القائمين على الصناعة يخططون لزيادة عدد الرحلات الجوية بنسبة 100%.

وبغضّ النظر عن أية اعتبارات؛ فإن الهيئات الدولية المعنية بالسفر الجوي – مثل تحالف الطيران المستدام ومقره المملكة المتحدة – قد تعهدت “بالقضاء تمامًا على الانبعاثات الكربونية بحلول العام 2050″، ومن المنطقي أن نعتقد أن تحقيق هذا الأمر هو من المستحيلات.

ومسألة “القضاء على الانبعاثات” لا تعني إنتاج طائرات بمحركات لا تعمل على إنتاج الكربون، وإلى أن يتم إنتاج طائرات بمحركات كهربائية على المستوى التجاري بدرجة 100% – وهو أمر يعُد دربًا من الخيال – فإن الخطط التي تم وضعها لن تُسفِر سوى عن القضاء على انبعاثات الكربون التي تطلقها تلك الطائرات من الأساس.

وتلك الخطط تشمل زراعة الأشجار أو تخزين الكربون في باطن الأرض (وهي تكنولوجيا جديدة لم تشهد محاولات لتطبيقها بعد كما لم تثبت فعاليتها بصورة عملية)، لكن ومهما كان المنهج الذي يتم الاعتماد عليه فإن خبراء البيئة يرفضون تلك الحلول ويصفونها بانها مجرد معلومات مضللة.

وكما صرّح البروفيسير سيمون لويس أستاذ عِلم التغير العالمي بجامعة كولدج لندن الأسبوع الماضي؛ فإنه “وبشكل حاسم توجد القليل من مساحات الأرض لزراعة أشجار تكفي لمواجهة الانبعاثات في الوقت الحاضر، ولم يتم بعد وضع مناهج تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة في هذا الإطار”.

والحقيقة أن صناعة النقل الجوي لا تعُد المتهم الرئيسي على مستوى العالم فيما يخص التغير المناخي، وتشير تقديرات معهد دراسة البيئة والطاقة وهو عبارة عن مؤسسة فكرية غير هادفة للربح إلى أن مجال السفر الجوي قبل ظهور الجائحة لم يتسبب سوى في 5% من كمية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم.

لكن، وكما تحاول باقي الصناعات خفض معدل الانبعاثات (مثل زيادة عدد السيارات الكهربائية)؛ فإن تخطيط صناعة الطيران ينصبّ فقط على التطور بشكل سريع، وذلك دون اعتبار لأية إمكانية حقيقية لتطويع التكنولوجيا من أجل القضاء على انبعاثات الكربون.

وكما أشار معهد دراسة البيئة والطاقة فإنه “بينما يؤدي استخدامنا جميعًا للسيارات وإنتاجنا للكهرباء وقطاعي الصناعة والزراعة كل على حدة إلى تخطّي نسبة الانبعاثات الناتجة عن حركة الطيران التجارية؛ فإن حركة السفر الجوي تنتج أعلى وأسرع معدلات الانبعاثات الشخصية”.

وهذا يعني أنه إلى أن يتم تسيير رحلات جوية لا تعمل على انبعاث الكربون بشكل حقيقي؛ فإن الأمر سيعتمد على كل شخص منا وأن ندرس بعناية مسألة السفر عبر الرحلات الجوية.

ورغم كل شيء، فقد قمنا بتبنّي مسألة إعادة تدوير النفايات، وأصبحنا أكثر وعيًا بحجم الكربون الذي نتسبب في إنتاجه جراء الأنشطة اليومية التي نقوم بها، واليوم وكما يشير اتحاد النقل الجوي فإن “رحلة العودة بالطيران التي يتم قطعها لمسافة طويلة تنتج انبعاثات أكثر بكثير من الأنشطة اليومية التي نمارسها على مدار عام كامل”، ولو قام عدد كافِ منا بتقليل رحلات الطيران كل عام؛ فإن الضغط الاقتصادي وحده الذي سيواجه تلك الصناعة التي تعتمد على النمو المستمر سيكون كافيًا من أجل الإسراع في الأبحاث التي ترمي لإنتاج طاقة نظيفة، وكذا تطوير الابتكارات التكنولوجية.

لذا عليك حين تقوم بالطيران في المرة القادمة ألا تقوم بخداع ضميرك فيما يخص البيئة، وأن تظن أن شجرة ما يتم زراعتها في مكان ما من الممكن أن تعوض استخدامك للوقود الحفري وتؤدي لتقليل الانبعاثات الضارة، وإذا ما أردت تقديم الخير لهذا الكوكب ليس مطلوبًا منك أن تفعل شيئًا، كل المطلوب منك أن تمتنع عن السفر جوًا، وهذا يعُد أفضل ما يمكن أن تقدمه.

 

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بِمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.